فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 174

23 ـ وروى أبو داود في (باب الوضوء من مس اللحم النَّيِّىء وغَسْلِه) وابن ماجه في كتاب الذبائح (باب السَّلْخ) (1) ، واللفظُ لابن ماجه ، عن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله تعالى عنه (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بغُلامٍ يَسلُخُ شاةً ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: تَنَحَّ حتى أريَك ، فأدخَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَدَه بين الجِلْدِ واللَّحم ، فدَحَس بها حتى تَوارَتْ إلى الإبط(2)

(1) ـ أبو داود 1:86 ، وابن ماجه 2:1061 .

(2) ـ قوله: (فدَحَسَ بها ـ أي بيده ـ حتى توارت إلى الإبط) . الدَّحْسُ أن يُدخِلَ الرجلُ يدَهُ بين جِلْدِ الشاةِ وصِفاقِها ليَسلخَها . وجاء لفظُ (دَحَسَ) في شعرٍ عالٍ رفيع ، ومعنىً نبيل بديع ، أَحببت ذكره هنا ـ استطرادًا ـ لبداعته وحصافتِه ، وصدقِهِ وبلاغته ـ قاله الصحابيُّ الجليلُ العلاءُ بن الحَضرَمي ـ من حضرموت ـ فاتحُ البحرين وأميرُها ولاّه عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبقي عليها حتى توفي في خلافة عمر سنة 14 أو 21 رضي الله عنهما قال:

وحَيِّ ذَوي الأضغانِ تَسْبِ قُلوبَهم تحيَّةَ ذي الحُسنى فقد يُرقَعُ النَّقَلْ

فإنْ دَحَسوا بالشرِّ فاعْفُ تكرُّمًا وإن كتموا عنك الحديثَ فلا تَسَلْ

فإنَّ الذي يُؤذيكَ منه سَماعُهُ وإنَّ الذي قالوا وراءَك لم يُقَلْ

قوله: (فقد يُرقَعُ النَّقَل) ، النَّقَلُ بفتح النون والقاف جميعًا: الخُفُّ الخَلَقُ ، والنَّعْلُ الخَلَق ، قال في (( القاموس ) )في (نقل) : (( المَنْقَل كمَقْعَد: الخُفُّ الخَلَقُ ، وكذا النَّعلُ كالنَّقْل ، ويكسَرُ فيهما ، ويُحرَّك ، جمعُه أَنْقالٌ ونِقال ، والنَّقيلةُ رُقعةُ النَّعُلِ والخُفّ ) ). انتهى .

فانظر إلى هذا الشعر البليغ والتوجيه الرفيع والمعنى البديع ، فهو يوصي مُخاطَبَه بان لا يُجافيَ ولا يقاطعَ الضاغنين عليه ، بل يُسلِّمُ عليهم ويُحيّيهم إذا لَقِيَهم ، فإنَّ العداوة والجفوة قد تزول ، وتعودُ المُواصلةُ والمداخلة ، وضَرَب لذلك مثلًا بالخُفِّ والنَّعْلِ الخَلَق ، فإنه يُترَكُ لتمزُّقِه ، ولكنه قد يُرقَعُ فيعودُ نافعًا جيدًا كما كان قبلَ تمزُّقِه ، ثم استرسل في النصح المتمم للتعامل مع ذوي الأضغان ، فأحسن وأجاد . =

= ووقع في مقدمة (( شرح ديوان الحماسة ) )للتبريزي 1:3 من طبعة بولاق ، تحريفُ (النَّقَل) إلى (النَّعْل) بالعين المهملة ، و (النَّعْل) بسكون العين لا غير ، والصوابُ فيه كما ضبطتُه وحتى لا ينكسر البيت ، ومعذرة من هذه الاستطرادة ، فقد غلبني حُسنُ الأبيات وعُلُوُّ معانيها وشَدَّني إلى إيرادها هنا ، ليَنتفع بها من يقرأها إن شاء الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت