فهرس الكتاب
وبدَهيٌّ كلَّ البَداهةِ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالمًا أن الرطب ينقص إذا يبس ، فهو يعيشُ في قلب جزيرة العرب بلاد التَّمر والرُّطب ، وذلك أمرٌ لا يَخفى على أقلِّ الناس فيها ، ولكنه صلى الله عليه وسلم سألهم: هل ينقص الرطب إذا يبس؟ ليُنبِّه أصحابه وسامعيه وتابعيه ، إلى أنَّ علةَ النَّهي عن بيع الرطب بالتمر ، هي نقصه عند يُبسه ، فلا يجوز أن يباع هذا بهذا على سبيل التساوي بالكيل ، فأشعرَهم بعلةِ الحكم إذْ كان خَفِيًّا عليهم ، فكان ذلك قاعدةً في البيوع إلى آخر الزمن .
9 ـ تعليمُه صلى الله عيله وسلم بالتشبيهِ وضَرب الأمثال
وكان صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحيان يَستَعين على توضيح المعاني التي يُريد بيانَها بضَرْبِ المثل ، مما يَشْهَدُه الناسُ بأبصارِهم ، ويَتَذَوَّقونَه بألسنتِهم ، ويَقَع تحت حواسِّهم وفي مُتناوَلِ أيديهم ، وفي هذه الطريقة تيسيرٌ للفهمِ على المتعلِّم ، واستيفاءٌ تامٌ سريعٌ لإيضاح ما يُعلِّمُه أو يُحذِّرُ منه .
وقد تقرَّر عند علماء البلاغة أن لضربِ الأمثالِ شأنًا عظيمًا ، في إبراز خَفِيّاتِ المعاني ورَفْعِ أستارِ مُحجَّباتِ الدَّقائق ، وقد أكثرَ الله سبحانه من ضَرْبِ الأمثال في كتابه العزيز ، واقتدى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك بالكتاب العزيز فكان يُكثِرُ من ذكر الأمثالِ في مُخاطباتِه ومَواعِظِه وكلامِه .
وقد جَمَع غيرُ واحد من الحفاظ (الأمثال) من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في كُتُب مُستقلّةٍ كما فعله الحافظ أبو الحسن العَسْكري ، المتوفى سنة 310 ، وأبو أحمد العسكري ، والقاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خَلاّد الرّامَهُرْمُزي ، وكتابُه مطبوع متداوَل .
وفي كتب الصحاح والسنن والمسانيد من تلك الأحاديث جملةٌ وافرةٌ فمن ذلك: