فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 174

58 ـ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن مثَلَ ما بَعَثَني الله به من الهُدى والعلم، كمثلِ الغَيْثِ الكثير أصاب أرضًا ، فكانتْ منها طائفةٌ طيِّبَةٌ نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الماءَ فأنبتَتْ الكَلأَ والعُشْبَ الكثير(1) . وكانت منها أَجادِبُ (2) أمسَكَتْ الماءَ فنفَع الله بها الناسَ فشَرِبوا وسَقَوا وزَرَعوا .

وأصابَ طائفةً أخرى منها إنما هي قِيْعان لا تُمسِكُ ماءً ولا تُنبِتُ كَلأً (3) .

فذلك مثلُ منفَقِه في دجين الله ونَفَعَه الله به فعَلِم وعَلَّم ، ومثلُ من لم يَرفَعْ بذلك رأسًا ولم يَقْبَلْ هدَى الله الذي أُرسِلْتُ به )) (4)

(1) ـ (الغيثُ) المطر ، و (الكَلأُ) النبات رطبًا كان أو يابسًا ، و (العُشْب) النبات إذا كان رَطْبًا .

(2) ـ (أجادِب) جمعُ أجدَب ، والأجادبُ: صِلابُ الأرض التي تُمسكُ الماء ولا تَشرَبُهُ سريعًا .

(3) ـ (قيعان) جمعُ قاعٍ ، وهي الأرضُ المُستويةُ الملساءُ التي لا تُنبِتُ .

(4) ـ قال الحافظ ابن حجر في (( فتح الباري ) )1:177: (( قال القُرطبي وغيرُه: ضَرَب النبي صلى الله عليه وسلم لِما جاء به من الدينِ مثلًا بالغيثِ العام الذي يأتي الناسَ في حالِ حاجتِهم إليه ، وكذا كان حالُ الناسِ قبل مَبعَثِه صلى الله عليه وسلم ، فكما أن الغيثَ يُحيي البلد الميِّت ، فكذا عُلومُ الدين تُحيي القلبَ الميِّتَ .

ثم شَبَّه السامعين له بالأرضِ المختلفةِ التي يَنزِلُ بها الغيث .

فمنهم العالمُ العامِلُ المُعلِّمُ ، فهو بمنزلةِ الأرض الطيِّبةِ شَرِبَتْ فانتفَعَتْ في نفسِها وأنبَتَتْ فنَفَعتْ غيرَها .

ومنهم الجامعُ للعلمِ المُستَغرِقُ لزمانه فيه غيرَ أنه لم يَعمَلْ بنوافِله أو لم يَتَفقَّه فيما جَمَع لكنَّهُ أدّاه لغيرِه ، فهو بمنزلة الأرض التي يَسْتَقِرُّ فيها الماء فيَنتَفِعُ الناس به ، وهو المشارُ إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: (( نَضَّرَ الله امرءًا سَمِعَ مَقالتي فوَعاها ، ثم أدّاها كما سَمِعَها ، فرُبَّ حاملِ فقهٍ غيرُ فقيهٍ ، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه ) ).

ومنهم من يسمع العلمَ فلا يَحفَظُه ولا يعمَلُ به ولا يَنقُلُه لغيرِه ، فهو بمنزلةٍ الأرض السَّبِخَةِ أو المَلْساء التي لا تَقبَلُ الماءَ أو تُفسِدُه على غيرِها. وإنما جَمَع في المَثَل بين الطائفتين الأُوْلَيين المحمودتين لاشتِراكِهما في الانتفاعِ بهما ، وأفراد الطائفةَ الثالثةَ المذمومةَ لعدم النفع بها ، والله أعلم )) . انتهى .

فالصنفُ الأولُ هم أهلُ روايةٍ ودِرايةٍ ودعوةٍ وعَمَلٍ ، والصنفُ الثاني أهلُ رِوايةٍ ورِعايةٍ وعَمَلٍ ، ولهم نصيبٌ من الدِّراية ، والصنفُ الثالث الأشقياء لا رِوايةَ عندهم ولا دِرايةَ ولا رِعايةَ ، ولا حِفظَ ولا فَهْمَ ، لم يَقْبَلوا هُدى الله ولم يَرفعوا به رأسًا ، بل أعرضوا عنه ، كما أوضحه الشيخُ ابن القيِّم رحمه الله تعالى في (( الوابل الصَيِّب من الكِلم الطيِّب ) )ص57 ـ 59 ، فانظره لزامًا .

وقال الإمام النووي في (( شرح صحيح مسلم ) )15: 48: (( في هذا الحديث أنواع من العلم ، منها ضربُ الأمثال ، ومنها فضلُ العلم والتعليم ، وشدةُ الحَثِّ عليهما ، وذمُّ الإعراض عن العلمِ ، والله أعلم ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت