فهرس الكتاب
من مضى وهو في أمر واحد، ولو جاز ذلك لأحد لم يشأ أن يقضي على هذا بفتيا قوم ويقضى في مثله بعينه على قوم بخلافه بفتيا قوم آخرين إلا فعل، فهذا قد عابه من مضى وكرهه مالك ولم يره صوابا.""
وعلق الشاطبي على قول ابن المواز بقوله:"وما قاله صواب فإن القصد من نصب الحكام رفع التشاجر والخصام على وجه لا يلحق فيه أحد الخصمين ضرر مع عدم تطرق التهم للحاكم، وهذا النوع من التخيير في الأقوال مضاد لهذا كله" [1]
وقال ابن تيمية:"وقد نص الإمام أحمد وغيره على أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبا أو حراما ثم يعتقده غير واجب أو محرم بمجرد هواه" [2]
وقال القرافي:"لا ينبغي إذا كان في المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف أن يفتي العامة بالتشديد والخواص من ولاة الأمور بالتخفيف، وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين، وذلك دليل على فراغ القلب من تعظيم الله تعالى وإجلاله وتقواه وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب للخلق دون الخالق فنعوذ بالله من صفات الغافلين:" [3]
الثالث: أن لا يجعل اتباع الرخص ديدنا، وإنما يكتفى بموضع الحاجة فقط.
وينقل عن الإمام أحمد قوله:"لو أن رجلا عمل بكل رخصة بقول أهل الكوفة في النبيذ , وأهل المدينة في السماع , وأهل مكة في المتعة كان فاسقا." [4] وفي سنن البيهقي قال: وأخبرنا الحاكم قال أخبرنا أبو الوليد يقول: سمعت ابن سريج يقول: سمعت إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد فدفع إلي كتابا نظرت فيه وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم , فقلت: مصنف هذا زنديق , فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة , ومن أباح المتعة لم يبح المسكر , وما من عالم إلا وله زلة , ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه , فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب." [5] "
وقال أبو إسحاق الشاطبي:"متى خيرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات في الاختيار وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة فلا يصح القول بالتخيير على حال" [6]
وقال عليش: أما التقليد في الرخصة من غير تتبع بل عند الحاجة إليها في بعض الأحوال خوف فتنة ونحوها فله ذلك." [7] "
الرابع: ألا يكون ما قلد فيه الغير مما ينقض فيه الحكم لو وقع به. وذلك في حالة ما إذا كان التقليد لقول يخالف قطعيا كنص كتاب أو سنة متواترة أو إجماع، أو ظنيا واضح الدلالة كخبر الواحد والقياس الجلي.
(1) - أبو إسحاق الشاطبي - الموافقات - 4/ 73 - 74
(2) - ابن تيمية - الفتاوى الكبرى - 5/ 95 - دار الكتب العلمية
(3) - يراجع: ابن فرحون اليعمري - تبصرة الحكام -4/ 74 - دار الكتب العلمية، الحطاب - مواهب الجليل - 1/ 32
(4) - الرحيباني - مطالب أولى النهى شرح غاية المنتهى - 6/ 617 - المكتب الإسلامي.
(5) - سنن البيهقي الكبرى - باب ما تجوزبه شهادة أهل الأهواء - 10/ 210دار الباز - مكة المكرمة.
(6) - الشاطبي - مرجع سابق - 4/ 73.
(7) - الشيخ عليش - فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك - 1/ 60 - دار المعرفة.