بعد أن قرأت الاسم. ارتسم على وجهها خريطة غضب حاد. ماذا هي فاعلة، وكيف تتصرف، أتصرخ وتولول؟ أتضرب الطاولة أمامها؟ تشد شعرها، وتبطل تسريحتها؟ أم تنادي العمال....؟
وبعد لحظات غليان مريرة. لا تدري لحسن الحظ كيف استعادت أعصابها:"اترك المخطوطة حتى يوم غد."
من أجل النظر فيها""
-يعني... أنت...؟
قاطعته بسرعة: لست أنا المديرة أنا السكرتيرة.
المرأة ظل صدرها يعلو ويهبط مما اشتعلت به. والرجل خرج بهدوء ورتابة. لم يبال بها. أو لم يكتشف فيها روحها المفزوعة. بل أخذ يفكر في شخصها:"هذه المرأة تحفة فنية من النساء. لم أرَ مثل معاني جمالها من قبل"...
بل كرر إعجابه:"إذا كانت السكرتيرة هكذا، فكيف ستكون مديرتها؟ لكم هذه الدار مترفة في نسائها. وفي أثاثها وإمكاناتها"!
ثم افتر فمه بشبه ابتسامة:"إذا ما وافقت المديرة غدًا على مخطوطة روايتي. فنشرها عن طريق دارها سيكون شهادة براءة وتقدير لها..."/واستمر يوقظ فصولًا رائعة في مستقبل روايته.
والمرأة. اعتكفت خلف الطاولة توقظ فصولًا من الزمن الماضي. تنبش ما أودعته في خزائن نسيانها...
الطفلة التي كانت تدرج في أزقة القرية. أخذت تكبر وتكبر. حتى أصبحت فتاة القرية الأولى في الجمال. الفم وردة. العينان من مخمل الغسق. الوجه نجمة الصبح و... تنهال الأوصاف....
قال الأب: الزواج سترة البنت.
قالت الأم: البنت مازالت صغيرة. ولتبقَ في مدرستها. إنها ذكية. أخبرتني معلمتها.
في الحقيقة لم تنس (( البنت الجميلة ) )تلك الفرحة العارمة التي غمرتها حين نالت شهادتها الابتدائية. وزغللت في عينيها آنذاك مدن الأحلام المجنحة...
قال الأب: الشهادة الابتدائية تكفي تعليمًا، لأية بنت في القرية. فأنا لا أدع ابنتي تذهب إلى مدارس العاصمة.
فلنفتش...
قاطعته الأم: البنت لم تلحق بالنساء بعد. وفهمك كاف!
*إذن لننتظر ونفتش في الوقت نفسه...
كان يعد الشاب الأول في التحصيل العلمي، بالقرية. نال شهادتين دراسة حرة، وفي الجامعة اختار الاختصاص الذي يلائم عصاميته وميوله. كان مولعًا منذ الصغر، بقصص بني هلال، والأدب الشعبي ككل. وظل هذا الولع يرافقه، ويؤثر في مجريات مستقبله الأدبي .
هذا الشاب الأول في القرية بـ (( العلم ) ). صار المرشح الأول لفتاة القرية الأولى في (( الجمال ) ).
نضجت حميدة أيما نضوج بعد ترك مدرستها. هذه السن هي عز سني المراهقة الغضة الرهيفة للبنت في الريف