ابنة الرابعة عشرة تكون في أوج التفتح والاستقبال.
(( حميدة تغيرت كثيرًا بطباعها، وجسمها، ونفسها... ) )-على حد تعبير أمها -
وتسمع (( البنت ) )أيضًا أحاديث كثيرة من هذه الشاكلة، تجري بين الأم والأب: سنة خطبة ثم...
-يعني نزف حميدة (( له ) )وقد بلغت الخامسة عشرة.
-نعم.... أ....؟ فطنت ماذا قالت لك أم محمود (( عنه ) )؟..
ثم فاجأ الأب، بعد أيام، غضب شديد. لدرجة أن اضطر لرمي كوفيته عن رأسه. وينتخي: أعرض عليه ابنتي ويرفضها!
في هذه الأجواء شبّت (( البنت ) )-حميدة -البتول الطاهر. لتتعّرف من خلالها إلى حياتها كأنثى.
ولتندلق في كيانها عواطف شتى (( نحوه ) )...
تسافر معه في عالم العذوبة. تسكن (( قلبه ) ): بل تحصنه وتغمره بشموسها الصغيرة...
ولكن حين علمت أن صاحب (( الضمير الغائب ) )قد امتنع عن الزاوج من (( ست البنات ) )أو (( ست الحسن ) )، لأسباب عزاها بلغته الخاصة إلى (( قاهرة ) ). أطفأت الأقمار التي انهلت من وجهها، وكمدت في البيت، لقد حزّت صدمته لها جرحًا نازًّا في الروح.
إذن فلتقبل طلب والدها، وتتزوج من المثري الأول في القرية، المغترب الفنزويلاوي (رابح العطا) . وترجع معه إلى تلك البلاد القصية. تتعرف إلى الطائرة وركوبها وإلى البحر وزرقته التي تضارع زرقة السماء. ثم تنعم في أموال هائلة لا تأكلها النيران.
وماتت العلاقة كلية. منذ ذياك الزمن ما بين أول شبان القرية في العلم، وأولى فتيات القرية في الجمال...
في اليوم التالي. الرجل في غرفة الانتظار، مازال ينتظر. متى يؤذن له بالدخول إلى مديرة الدار؟ على الأقل يقابل السكرتيرة. البواب كان استبداديًا. أمره: انتظر هنا. -في غرفة خاصة -.
(( الانتظار صعب ) ). مثل سمعه. ويطبقه على الصعيد العملي الآن.
... ثم فرجت من فم البواب: تفضل.
غرفة البارحة نفسها. ولم يتأكد إن كانت المرأة ذاتها أم لا؟
ثمة تغيرات طفيفة حصلت في زينة الوجه وتسريحة الشعر الذي تهدّل شيء من خصله على الجبين الساطع.
المهم هذه المرأة كانت أكثر هدوءًا ونقاوة.
بإيماءة لطيفة من رأسها ردّت تحيته. وأشارت ليجلس على أريكة مقابلة في الجهة اليمنى.
وران صمت في الغرفة.
الرجل شاغل نفسه، بنظراته الخفرة بأمر فضولي: هذه المرأة، هي السكرتيرة. أم هي المديرة؟
والمرأة من جهتها تشاغلت بيديها، ونظرها في الأشياء التي أمامها على الطاولة. ثم أدارت قرص الهاتف.