فهرس الكتاب
كذلك الأمر بالنسبة إلى تنويع طرائق سرد الحوادث، فهو تابع لمشيئة الروائي التقليدي وللزاوية التي ينظر منها إلى حوادث روايته، أو بتعبير أكثر حداثة: قد يختار الروائي التقليدي موقعًا محدَّدًا، أو يختار اللاموقع، أو يلجأ إلى الإفادة من تعدُّد المواقع. ويفضحه في ذلك كلّه راويه. فإذا حلَّ الراوي في إحدى الشخصيات كان راويًا ممثَّلًا ينمّ على أن الروائي اتخذ موقع المشارك المنحاز وموقفه. وإذا اختار راويًا عالمًا بكلّ شيء دلَّ ذلك على أن الروائي اختار اللاموقع، وترك لراويه العالِم فرصة السياحة في الرواية والانتقال من شخصية إلى أخرى. أما اختياره عدّة رواة، وتركه كلّ راو يحلُّ في إحدى الشخصيات ويُعبِّر عن وجهة نظرها، رغبةً منه في الإشارة إلى حياده وتعدُّد مواقعه، فطريقة لم تعرفها الرواية التقليدية بادىء الأمر ولكنّها استعملتها في تطوراتها التحديثيّة اللاحقة. ومن المفيد القول إن سرد الحوادث لا علاقة له بالحيل الأسلوبيّة التي يلجأ إليها الروائي التقليدي ليضفي شيئًا من المصداقيّة على ما يرويه، أو ليعلن انفصاله عمّا يرويه (13) ، كإيرادها في شكل الترجمة أو الترجمة الذاتيّة أو أسلوب الرسائل أو المذكِّرات أو غير ذلك من الحيل التي لا تُؤثِّر في الطريقة التي يسرد بها الروائي حوادث حكايته. ويبدو أن هذه الحيل الأسلوبيّة بلغت من الشيوع في تاريخ الرواية التقليدية حدًّا دفع بعض النقاد إلى إدراجها في عداد طرائق عرض الحوادث (14) .