فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 352

ودون شكّ فإن الأمور السابقة مكوِّنات العالم المتخيَّل المغلق الذي يحاول الروائي التقليدي إقناع القارىء بوجوده وقدرته على احتواء العالم الخارجيّ وكأنه ينقله أو ينسخ منه شيئًا. وإن الحادثة في هذا العالم متخيَّلة، ولكنّ العنصر التخيُّليّ فيها لا يعني أنها منفصلة عن الواقع الحياتي الخارجيّ، أو أنها من كوكب آخر غير كوكب القارىء. إنها في إطارها العامّ وتفصيلاتها الصغيرة مستنبطة من الواقع، ولكنّها مؤلَّفة بوساطة الخيال لتؤدّي دلالة محدَّدة. فالحياة الحقيقيّة ذات الحوادث المتفرِّقة التي تتعذَّر ملاحقتها ومعرفة مصائر أفرادها، لا تسمح للإنسان بالإمساك بها ورؤيتها على نحو سليم. وقد تنطَّعت الرواية التقليدية لمهمّة تكثيف حوادث الحياة وعرضها متماسكة مقنعة تؤول إلى خواتيم طبيعيّة، حتى إذا قرأ الإنسان رواية ما، واقتنع بما قدَّمته له، انفعل بها وكان انفعاله مقدّمة لتغيير سلوكه وتعديله، أو ما نقول عنه عادةً: توسيع حساسيّته تجاه الحياة، أو تغيير نظرته إليها. ثم إن الروائي التقليديّ يرى الحياة الحقيقيّة منطقيّةً، ولهذا السبب يحرص على أن يُدقّق في هذه الحياة ليخلق عالمًا روائيًا مشابهًا لها في أطره العامة وتفصيلاته الصغيرة، وعلى اختيار الشخصيات التي تتفاعل منطقيًا مع هذه الحوادث، وعلى الزمان والمكان لأن الحوادث لا تقع في الفراغ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت