فهرس الكتاب
تشير الرواية العربية إلى أن الروائيين مختلفون في تحديد مواقعهم من رواياتهم. فهم نظريًا يعترفون باستقلاليّة نصوصهم، ويبتعدون عن التدخُّل فيها، ويبقون خارجها يُحرِّكون خيوطها بوساطة الراوي. ولكنّهم - كما تدلُّ نصوصهم الروائية - فريقان: فريق يُجسِّد ما آمن به نظريًا فيروح يستخدم الراوي المشارك المنحاز الممثَّل، وفريق لا يُطبِّق ما آمن به ويروح يستعمل الراوي الحياديّ العالم بكل شيء. ولا بأس في أن أُقدِّم هنا تدقيقًا في عمل هذين الفريقين، عماده التفريق بين الروائيين الذين اتخذوا اللاموقع ستارًا للسيطرة على المجتمع الروائي، والذين اتخذوه وسيلة لخلق هذا المجتمع ؛ لأن هذا التفريق ضروري للناقد الراغب في التمييز بين رواية فنية استخدمت الراوي الحيادي العالم بكل شيء، وأخرى ضعيفة استخدمت الراوي نفسه. وإلا فإن الظن سيذهب إلى أن استعمال الراوي العالم بكل شيء سيِّىء دائمًا لا يُخلِّف وراءه غير النصوص الضعيفة، وهذا أمر يجانب واقع الرواية العربية. ذلك أن الروائيين العرب استعملوا الراوي العالم بكلّ شيء، وأنتجوا بوساطته نصوصًا انعقد الإجماع على دقتها الفنية، كما هي حال غالبيّة روايات نجيب محفوظ (17) وعبد السلام العجيلي (18) والطاهر وطّار (19) وأحمد إبراهيم الفقيه (20) وغيرهم.