فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 352

ولا أشكُّ في أن استعمال الراوي العالم بكلّ شيء يعني أن الروائي متشبِّث باللاموقع. بيد أن هذا التشبُّث ينمُّ حينًا على الرغبة في السيطرة على المجتمع الروائي، ويدلُّ أحيانًا على أن الروائيّ راغب في خلق مجتمع روائي. ومعيار التمييز بين هذين الأمرين ينبع من الروايات العربية نفسها. فناقد رواية (الدّوّامة) (21) لقمر كيلاني و ( ريح الجنوب) (22) لعبد الحميد بن هدوقة و (نداء الصفصاف) (23) ليحيى قسام و (سلامًا يا ظهر الجبل) (24) لوهيب سراي الدين و (البحر ينشر ألواحه) (25) لمحمد صالح الجابري قادر على أن يحكم على هذه الروايات بتوافر الحدّ الأدنى من المستوى الفني، وقادر أيضًا على أن يحكم على (ليلة المليار) (26) لغادة السّمَّان و (سلام على الغائبين) (27) لأديب نحوي و (الأسماء المتغيرة) (28) لأحمد ولد عبد القادر و (العودة من الشمال) (29) لفؤاد القسوس و (فياض) (30) لخيري الذهبي بالجودة الفنية على الرغم من أنها كلها استعملت الراوي العالِم بكل شيء. وإذا رغب الناقد في أن يكون حكمه موضوعيًا فإنه مطالب بالالتفات إلى أن الروايات المتوسطة الجودة أعطت الراوي العالِم بكل شيء سلطات واسعة فجعلته ينقل إلى المتلقي دخيلة الشخصيات وحركتها الخارجية، دون أن يترك لها فرص التعبير عن نفسها، ومن ثَمَّ بدت الشخصيات في هذه الروايات جامدة أو أقرب إلى الجمود. لا يشعر القارىء أنها حية في المجتمع الروائي، بل يشعر أنها مقيَّدة، ويلاحظ في مقابل ذلك الحرية الواسعة الممنوحة للراوي. والقارىء، عادةً، يُحبُّ أن يرى الشخصيات تُعبِّر بملفوظها وسلوكها عن نفسها، ولا يحبُّ أن يُحدِّثه شخص آخر عنها. أما الروايات الأخرى التي يمكن الحكم عليها بالجودة الفنية فقد قيَّدت الراوي العالِم بكل شيء، وحدّت من سلطاته، فقصرته على أمكنة رأى الروائيُّ نفسَه عاجزةً عن التعبير عنها دون وساطة الراوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت