فهرس الكتاب
وهذا الراوي المقيَّد موضوع في هذه الروايات في خدمة الشخصية، لا يطغى عليها، بل يخدم سعيها في عالم الرواية، وتبدو معرفته محدودة بالقياس إليها.
بيد أن الروائيين العرب الذين أساؤوا استعمال الراوي العالِم بكل شيء أكثر عددًا من الروائيين الذين نجحوا في توظيفه لخدمة الشخصيات في رواياتهم. والنوعان معًا دليل على أن الروائيين العرب ما زالوا يؤثرون (اللاموقع) موقعًا، ويجعلونه الدليل على رغبتهم في التحكُّم المباشر بعالم الرواية، سواء أكان تحكُّمهم شاملًا أم محدودًا. وهذا التحكُّم يجافي الموقف الديمقراطيّ من عالم الرواية، كما يجافي تصريحات الروائيين النظرية باستقلاليّة نصوصهم الروائيّة. وإذا كان لكلِّ شيء سبب فإنني أعتقد أن الولوع بالراوي العالِم بكل شيء نابع من الأمرين الآتيين:
أ - مأزق الروائيّ العربيّ في التعبير عن دخيلة شخصياته. ذلك لأن هذا الروائي يعي جيدًا أن إضفاء الحياة على الشخصية الروائية يحتاج إلى رصد سلوكها الخارجيّ وأفكارها وأحاسيسها الداخليّة وردود أفعالها على الحوادث الخارجيّة، ولكنّه يجد نفسه عاجزًا عن التعبير عن دخيلة الشخصية بوساطة الحوادث، فيلجأ إلى الراوي العالم بكل شيء ليُقدّم بوساطته العبارات التي تنمّ على هذه الدخيلة، كفكَّر وتمنّى ورغب وفرح ... وإذا أحسنا الظنّ قلنا إن هناك تناصًا ؛ أي تأثُّرًا بالروايات التي قرأها الروائي وكانت تضمُّ راويًا عالمًا بدخيلة الشخصيات، عاملًا على نقلها إلى القارىء المتلقي بوساطة الأفعال السابقة. والدليل على ذلك أنني عثرتُ على العبارات نفسها لدى عدد كبير من الروائيين العرب. من أمثلة ذلك في سورية روايتا حسن جبل (1969) وآن له أن ينصاع (1978) لفارس زرزور. ففي هاتين الروايتين عبارات استعملها الراوي العالم بكل شيء لا تكاد تختلف عن العبارات التي استعملها في رواية (الدوامة) لقمر كيلاني.