فهرس الكتاب
أما الراوي الممثَّل فيختلف اختلافًا واضحًا عن الراوي العالم بكل شيء. وينبع هذا الاختلاف من موقع الروائي ويؤثِّر تأثيرًا كبيرًا في بناء الرواية. ذلك أن الراوي الممثَّل يدلُّ على أن الروائي راغب في أن تُعبِّر إحدى الشخصيات عن وجهة نظره، ولهذا السبب يترك راويه (نائبه) يتماهى بهذه الشخصية مكتفيًا بما تراه وتسمعه وتفكّر فيه. إنه راو محدود المعرفة، مشارك في حوادث الرواية ومنحاز إلى إحدى شخصياتها. وهذا يعني أن الروائي اتخذ لنفسه موقعًا محدَّدًا وترك للشخصية التي تماهى راويه بها فرصة التعبير عن نفسها بنفسها. ولو أنعمنا النظر في بناء الرواية العربية استنادًا إلى هذا الراوي الممثَّل لاكتشفنا ما اكتشفناه في أثناء الحديث عن الراوي العالم بكل شيء من أن هناك استعمالين للراوي الممثَّل، التزم الراوي الممثَّل في أولهما بشخصية واحدة ولم يجاوزها إلى غيرها، كما هي الحال في (صوت الليل يمتد بعيدًا) (35) لعبد النبي حجازي و (هزائم مبكِّرة) (36) لنبيل سليمان و ( أنت منذ اليوم) (37) لتيسير سبول. فالراوي الممثَّل في الأولى يتماهى بعرندس، وفي الثانية بخليل، وفي الثالثة بعربي، ويبقى في الروايات الثلاث ملتزمًا بدقة بهذه الشخصيات، ولا يمتدُّ علمه إلى شيء خارج ما تراه وتسمعه وتشعر به. بيد أننا نرى الراوي نفسه مختلفًا في (الحلم الوردي) (38) ليحيى قسّام و (الأشرعة) (39) لنبيل سليمان. ففي الرواية الأولى يتماهى بشخصية أحمد سعيد ولكنه لا يقصر علمه عليها، بل يهيمن على الشخصيات الأخرى ويروح يعكس أفعالها ويخفي أفعاله، ومن ثَمَّ لم يؤدّ الوظيفة التي اصطُنع من أجلها وهي الإسهام في خلق شخصية أحمد سعيد.