فهرس الكتاب
ولابدَّ من أن تنتهي الحكاية الروائية بزوال المسوّغ الذي ابتدع حلقاتها وربط بين حوادثها .
ثانيًا: الرّوائيّ والسّارد
اهتمَّ نقّاد السرديّات ،ولاسيّما البنيويون ،بالعلاقة بين الروائي (مؤلِّف الرواية) والسّارد (الذي يتولّى مهمّة سرد الحكاية داخل الرواية) . ونتج عن هذا الاهتمام اجتهادات كثيرة، ومناقشات مستفيضة، ذهب بعضها إلى موت المؤلِّف (بارت) ومسؤولية السارد عن الرواية كلّها. واعترف بعضها الآخر (تودوروف) بالمؤلِّف وسمّاه المؤلِّف الضمني، وخصَّ السارد بمهمّة تقديم الحكاية، أو سردها على المسرود له. ودمج بعض ثالث (جنيت) بين المؤلِّف والسارد ،فعدَّ المؤلِّف صاحب الرواية، وعدَّ السارد شريكًا له فيها. وما من شكّ في أن هذه الاجتهادات وغيرها أسهمت في ترسيخ مفهومات سردية جديدة، وحفزت على مناقشتها (9) . بيد أن القضية، في أثناء تحليل النصوص الروائية، لا تكمن في الانحياز إلى اجتهاد من هذه الاجتهادات (الغربية مولدًا ونشأةً) ، ولا في تلفيقها، أي الجمع بينها، بغية الإفادة منها كلّها، بل تكمن في طبيعة النصّ المحلَّل، وفي قدرة المحلِّل على تفكيكه وإعادة تركيبه بعد تمثُّله المفهومات السردية.
ولاشكّ عندي في أن الروائي هو الذي يبدع روايته، ولكن طبيعة الإبداع السردي التخييلية تدفعه إلى بناء مجتمع روائي يُوهِم بالمجتمع الخارجي الحقيقي، وتجبره على ألا يُحرِّك هذا المجتمع بنفسه ،بل يتركه للسارد ليتصرَّف فيه كما يشاء الروائي، مما يجعل السارد جزءًا من اللعبة الروائية التخييلية، ويُحدِّد مستوى الرواية الفنيّ تبعًا للمكان الذي وضع فيه الروائي سارده، واستنادًا إلى قدرة هذا المكان على الإيهام باختفاء الروائي وبمحدودية عِلْم السارد.