فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 352

يدلّ المقطع السابق على أن السارد انتقل من أبي يوسف إلى كريمة، وآثر في خواتيم المقطع أن يمزج بينهما. وما فعله السارد في هذا المقطع يمكن عدُّه نموذجًا لما فعله في الرواية كلّها. فهو غير راغب في التّستُّر وراء إحدى الشخصيات الرئيسة الثلاث (أبو يوسف - كريمة - مجاهد) ، بغية سرد الحوادث من وجهة نظرها، بل هو راغب في الانتقال من شخصية إلى أخرى لينقل للقارىء وجهات نظر الشخصيات جميعها في الحدث الروائي. وهذا الانتقال حدَّد علاقته بالحكاية المسرودة، إذ بدا مشرفًا مسيطرًا على تنظيم تقديمها للقارىء، يحجب منها ما يرغب في تأخيره وإخفائه، ويُقدِّم منها ما يرى وجوب تقديمه. ولهذا السبب لم ير في المقطع السابق أية ضرورة لتفصيل القول في ساعات العمل الطويلة التي قضاها أبو يوسف في شركته ومنشآته، لأن هذا التفصيل لا يخدم الحكاية الروائية، تبعًا لدورانه حول جانب العمل عند أبي يوسف، وهو جانب لا تلتفت إليه رؤيا رواية (كريمة) ، على الرغم من إشاراتها الكثيرة إلى أهمية مشروعه في المغرب، وترجُّح هذا المشروع بين الربح والخسارة، وإسهام أبي يوسف ومجاهد وغيرهما في الحديث عنه وإعلان الاهتمام به. ذلك لأن الرواية مهتمّة برصد جوانب العلاقات العاطفية والإنسانية والأدبية عند أبي يوسف ليس غير، وما الإشارات الغزيرة إلى العمل إلا المسوّغ الروائي لوجود أبي يوسف في المغرب بعيدًا عن وطنه الإمارات (18) . ولهذا كلّه قدَّم الساردُ المسرودَ في بداية المقطع في هيئة (التلخيص) ، تلخيص ساعات العمل الطويلة المرهقة في عبارة واحدة. ولعلّ هذا التلخيص خدم غرض السارد في منح أبي يوسف صفة جديدة فوق صفاته الروائية، هي صبره على العمل الطويل دون أن يشعر الآخرون المحيطون به بإرهاقه وقدرته على أن يُبْعِدهم عن تعبه الخاص بإظهار الارتياح، نقيض التعب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت