فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 352

تشير الألفاظ السابقة - وهي أفعال في الغالب الأعم - إلى أن السارد لم يكتف بالحلول في دخيلة أبي يوسف، أو كريمة، بل حلَّ في دخيلة الشخصيتين معًا ،وكان في أثناء حركته الخارجية بينهما يلج إلى دخيلتهما بالتناوب ،ويعرض ما يتظاهران به، أو ما يلاحظانه، أو يعرفانه، أو يفهمانه ... دون أن يترك لهما فرصة التعبير عن ذلك بأنفسهما في المقطع. وهذا ديدنه أيضًا في الحكاية الروائية كلّها، مما يعني أن علمه أكبر من علم شخصياته منفردةً ومجتمعةً ،وأنه مسيطر على حركتها الخارجية والداخلية، معبِّر عن وجهات نظرها بلغته نفسها، وهي لغة غير قادرة، بداهةً، على أن تمنح الشخصيات تمايزًا أسلوبيًا في المسرود.

وما من شكّ في أن سيطرة السارد على المسرود في رواية (كريمة) تُعبِّر عن شكل من أشكال الرواية العربية التقليدية مازال سائدًا رائجًا، تبعًا لإيمانه بأن الرواية ليست شيئًا غير الحكاية التي تروي خبرًا مفصَّلًا عن شيء محدَّد، وأن الشخصيات التي تنهض بهذه الحكاية تتمايز بصفاتها وأنواعها ليس غير، وتخضع فيما عدا ذلك لهدف الرواية ومغزاها، وتتحرّك داخل الحكاية بإرادة السارد، فتبدو دمى أو أشبه بالدمى بين يدي سارد صارم. ويبدو المسرود في هيئته العامة حكاية أفكار وليس حكاية أفعال، لأن الشخصيات تتكلّم ولا تفعل ،وحين ينتهي كلامها ينتقل السارد بها إلى موقف آخر لتتكلّم من جديد، أو يهملها لينتقل إلى شخصية أخرى كان أهملها، فيجعلها تنطق وتحاور الآخرين ... وهكذا بدا المسرود في رواية (كريمة) في حاجة إلى شيء من الحرية الفنية، بحيث يبدو فعل الشخصية نابعًا من آرائها ومواقفها ودخيلتها ونظرتها إلى الحياة، وتبدو لغتها، تبعًا لذلك، خاصة بها وحدها، معبِّرة عن مستواها الفكري، عاملة على تمييزها من الشخصيات الأخرى.

افتتاحية الرواية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت