فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 352

والظّنُّ بأن الراوية الممثَّلة قبضت على ناصية القارىء المتلقّي في نهاية المقطع الأول من افتتاحية الرواية. وهذا ما سهَّل عليها العدول في بداية المقطع الثاني عن تصريح سابق لها برغبتها في أن تروي حكايتها مع حبيب بسرعة، فتقرِّر عدم إيجاز الرواية لطولها. وتطرح في الوقت نفسه شيئًا مهمًّا، هو أنها لن تروي الحكاية تبعًا لتسلسلها الزمني، بل ستنتقي وتختار. وعلى الرغم من أن تعليلها للانتقاء كامن في أن الحياة هي الرابط بين أجزاء الحكاية، وليس للزمن أثر في ذلك، فإن التعليل الضمني لهذا الانتقاء هو التمهيد لطبيعة السرد الروائي، وهو سرد متقطّع، يعتمد على استرجاع الماضي غالبًا، ولكنه يقطع الاسترجاع أحيانًا ليضع المتلقّي في الحاضر. فضلًا عن رغبة الراوية الممثَّلة في التركيز على حوادث ماضية ذات دلالة وأهمية، وإهمالها ما كان عرضيًا هامشيًا في علاقتها بحبيب .

بيد أن المقطع الثاني من الافتتاحية لا يُبْقي زمن الاسترجاع غائمًا، بل يحدّده بثماني سنوات أول الأمر، ثم يزيده تحديدًا فيجعله عام 1969. وغرض الرواية من هذا التحديد التمهيد للحديث عن المناخ السائد في سورية في ذلك الزمن، وهو مناخ كابوسي. أو قل: إن الرواية جعلت المناخ الكابوسي مسوّغ ما أصاب شخصيتها من إحساس مبكّر بالهرم. إذ إنها حُرمت من العمل في التعليم، وأُغلقت مجلة أسرتها فحرمت من العمل الصحفي، وسُجن أخوها، فضلًا عن أنها مطلَّقة، لها طفلان بعيدان عنها يعيشان في مدرسة داخلية في بيروت. ولم يكن تحديد المناخ الكابوسي في هذا المقطع من افتتاحية الرواية غير مهمّة أخرى من مهمّات الافتتاحية، تهدف إلى وضع القارىء في العالم الروائي الذي ما زال مجهولًا بالنسبة إليه، وهو عالم تخييلي ولكنّ كوليت خوري أوحت إلى القارىء بأنه عالم حقيقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت