فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 352

وأمر الإيحاء يحتاج هنا إلى وقفة قصيرة. ذلك لأن استعمال ضمير المتكلّم في الرواية يقرِّب المسرود من التعبير عن الشؤون الخاصة. وهذا التقريب شيء آخر غير المطابقة. إذ إن الرواية المسرودة بضمير المتكلّم لا تعني أنها سيرة ذاتية لكاتبها. ولا تختلف رواية (أيام مع الأيام) عن هذا الأمر. إذ إنها ليست سيرة ذاتية لكوليت خوري، بل هي عمل تخييلي ابتدعته مخيِّلة هذه الروائية. بيد أن كوليت التي أَلِفت استعمال ضمير المتكلّم في رواياتها السابقة تعرف أن هناك إمكانية لتوظيف فضول القارىء، بزجه في العمل، وشدِّه إليه،من خلال الإيحاء له بشيء أو أشياء مما هو معروف عنها في الواقع الحقيقي. وههنا، في رواية أيام مع الأيام، شيء غير قليل من الإيحاء، منه إهداؤها الرواية لجدّتها أسماء جبرائيل عيد، ثم تسمية بطلة الرواية بأسمى، وهي قصر الاسم الممدود (أسماء) ، وتسمية جدّتها بالاسم نفسه في الرواية، والتطابق بين المعلومات التي ذكرتها عن الجدّة في الرواية (38) والمعلومات التي قدَّمتها عن جدّتها حين أهدت لها الرواية (39) . فهما معًا: جدّة بطلة الرواية وجدّة كوليت خوري، قَدِمتا إلى دمشق من زمن بعيد، قَدِمتا من سهول الرّامة في فلسطين وهما تحملان في قلبيهما هدير بحر عكا. ولاشك في أن هذا التطابق ليس مصادفة، بل هو عمل مقصود للإيحاء بأنّ كوليت خوري تسرد في الرواية حقيقة ما جرى معها. وقد استعانت بشيء آخر يوهم بالمطابقة، هو تحديد الزمن بعام 1969، وقَرْنه بما كان سائدًا في سورية آنذاك من انغلاق واتهام. وهذا كله يجعل القارىء يقع أسير كوليت خوري لأنها خدعته بأشياء خاصة وعامة، ودفعته إلى الاعتقاد بأنه مُقْبل على قراءة حوادث حقيقية وضعتها كوليت خوري في قالب روائي ليسهل عليها إيصالها له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت