الصفحة 28 من 47

فقد بقي يُدِيمُ ذكْرَها حتَّى في آخر لحظة من حياتِه، وهو يفخر بذلك ويُجاهر ويقول: (( إنِّي رُزِقْتُ حبَّها ) )، و (( خديجة خيرُ نسائها ) )حتَّى غارت عائشةُ - رضِي الله عنْها - منها ولَم ترَها، فقالتْ: كأن لم تكُن امرأة إلاَّ خديجة! فقال: (( إنَّها كانتْ وكانت، وكان لي منها ولد ) ).

يذبح الشَّاة ويقطعها أعضاءً ويبعثها إلى صدائق خديجة، حاله:

كَوَّنْتُ فِي قَلْبِي لَهَا مَنْزِلًا بِالسَّمْعِ أَرْعَى وُدَّهُ وَالنَّظَرِ

تقول عائشةُ - رضِي الله عنها: ما غِرتُ على امرأةٍ ما غرتُ على خديجة، ولقد هلكتْ قبل أن يتزوَّجني بثلاثِ سنين؛ بما كنت أسمع يذكُرها.

وَفَاءٌ جَلَّ عَنْ مِثْلٍ وَعَنْهُ ضَاقَتِ الصُّحُفُ

استأذنت هالة أختُ خديجة عليه - صلى الله عليْه وسلَّم - فذكر استِئْذان خديجة وهشَّ وارتاح لصوتٍ ذكَّره بخديجة، فقال: (( اللهمَّ هالة بنت خويلد! ) )قالت عائشة: فغرتُ وقلتُ: وما تذكُر من عجوزٍ من عجائِز قُرَيْش حمراء الشدقين - يعني: لا أسنانَ لها من الكبَر - هلكتْ في الدَّهر، أبدلك الله بخيرٍ منها؟! قالتْ: فتمعَّر وجهه تمعُّرًا ما كنت أراهُ إلاَّ عند نزول الوحي أو عند المخيلة عند السحاب، ثم قال: (( ما أبدلني الله خيرًا منها؛ آمنتْ بي إذْ كفر النَّاس، وصدَّقتْني إذ كذَّبني النَّاس، وواستْني بمالها إذ حرَمَني النَّاس، ورزقَني الله ولدَها إذ حرمني أوْلاد غيرها ) )، قالت - رضِي الله عنها: والَّذي بعثك بالحقِّ، لا أذكرها بعد هذا إلاَّ بخير.

وتأتيه يومًا عجوزٌ فيُحْسِن لقاءها ويكرم مثْواها، ويسأل عن حالِها: (( كيف أنتم؟ كيْف كنتُم بعدنا؟ ) )قالت: بخيرٍ بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلمَّا خرجتْ، قالت عائشةُ - رضِي الله عنْها: أقبلتَ على هذه العجوز هذا الإقبال! قال: (( إنَّها كانت تأتينا زمن خديجة، وإنَّ حُسن العهدِ من الإيمان ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت