فهرس الكتاب
وهذا مشهدُ وفاءٍ من الجامعة الإسلاميَّة لمن باشرَ غرسَها من أوَّل أيَّامها وسقاها، وبذل لها من الجَهد ما لا يُضاهيه إلاَّ سهر الأم على طفلِها؛ أعْني: الشَّيخ ابن باز - رحِمه الله - لما انتقل من المدينة إلى عملِه في الرّياض ثمَّ عاد للمدينة في زيارةٍ عابرة، اجتمع به منسوبو الجامعة في مسجد الجامعة، احتشدوا وشرَعوا في التَّعبير عن تقديرِهم ووفائِهم للرَّجُل الذي خالط حُبُّه دماءَهم، فكانتْ كلِمات وفاء ووجدان خَلَتْ من كلِّ تَمويه وإعداد.
سَاجِعُ الوُرْقِ عَلَى الأَغْصَانِ غَنَّى أَطْرَبَ الخَالِيَ وَاجْتَاحَ المُعَنَّى
جاء دور الشَّيخ ليلقيَ كلِمَته فكان الحال أبلغ من المقال:
سَلُوا فُؤَادَكُمُ عَنِّي سَيُخْبِرُكُمْ فَصَاحِبُ البَيْتِ أَدْرَى بِالَّذِي فِيهِ
تعثَّر في التَّعبير وغلبه التَّأثُّر فلم يَملك نفسه فبكى، وسُمِعَ نشيجُه وغلبتْه دموعه، وحاله:
لَقَدْ نَدَّ البَيَانُ وَفِي فُؤَادِي رَسَا حُبِّي لَكُمْ كَالرَّاسِيَاتِ
فكانت تلك الدُّموع الحارَّة بيانًا تعلَّم البيانُ منه البيان؛ فهي أبلغ خطابٍ وأفصحهُ وأشدُّهُ تحريكًا للمشاعِر؛ إذ تأثَّر كلُّ مَن في مسجد الجامعة، صار الكلام بموق العين لا بفمي، لا يسمع إلاَّ الخنين والأنين، فهذا صامتٌ تفضحه الدموع وذاك في نشيج، وذلك شاعرٌ حرَّكتْه المشاعر فحرَّك بدموعه وبيانه المشاعر قائلًا لعامليه:
فَخَلُّوا مَلامِي إِنْ أَلَحَّ بِيَ البُكَا فَإِنَّ فِرَاقَ الصَّالِحِينَ عَسِيرُ
فما كان ثمَّة بيان أدلّ على الوفاء المتبادل بين الشَّيخ وجامعته من ذلك الموقِف، ولن يفي ببيان الموقف الخبر.
قَالُوا أَتَسْلُو عَنِ الأَحْبَابِ قُلْتُ نَعَمْ أَسْلُو إِذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّقِيضَيْنِ
بهذا الخلق يفي سيفُ الله وفارس دين الله خالد - رضي الله عنه وأرضاه - فعاملٌ بالجر قد تسلط على الذي في كفره تخبَّط، لا عز إلا بالكتاب يقودُه أكرم بأحسن قائد ومعلم.