فهرس الكتاب
روى أهل التاريخ أنَّ نصارى العرب استغاثوا بكسرى شيرويه ليمدَّهم بجيشٍ يقضون به على خالد وجندِه.
كَذَاكَ السَّلُوقِيَّات فِي كُلِّ مَوْطِنٍ عَلَى عَهْدِهَا حُمْرُ المَآقِي هَوَارِيشُ
فتقاطروا كلٌّ بكلٍّ يقتدي، وألْقَوا أحابيلهم، والخسيس إذا وجد القوَّة استأسد.
أمدَّهم كسرى بكلِّ غاوٍ وكلْبٍ عاوٍ، مددًا عدده مائةٌ وخمسون ألفًا، ومن كان وغدًا حمى الأوْغاد وغطى المخازي بأخزى ردى وأرْغى هُنا وهنا أزبدَ، وفي غرور وضعوا الطَّعام على البُسُط غيرَ مبالين بِخالد النّحرير، ومحتقرُ النَّاس أدني حقير، أمَّا قائدهم جابان فقال في معرفة بخالد: اتركوا الطَّعام واستعدُّوا للصِّدام؛ إنَّه خالد!
قالوا: وما يُغْني خالد وهو في ثمانية عشر ألفًا؟! فقال جابان: أخشَى أن تكونوا هيَّأتُم هذا الطَّعام له، وكان ما توقَّع، فاجأَهم خالد فأجهضهم عن الطَّعام قبل أن يطعموه، ودعا للبراز ونادى نصارى العرب أوَّلًا: أين أبجر؟ أين مالك؟ أين فلان؟ البرازَ البراز.
ابرز إليْنا حمِي الوطيس، خالد جاءك والخميس، وقد عرفت ريحَ الليوث البهائمُ، جبنوا فلم يَخرج سوى مالك بن قيس، قردٌ لا يهتدي لصواب حتَّى يشيب الغراب.
وَالقِرْدُ قِرْدٌ وَإِنْ رَقَّتْ شَمَائِلُهُ وَإِنْ تَعَلَّمَ نُطْقَ الإِنْسِ وَالجَانِ
فوبَّخه خالد قائلًا: يا ابن الخبيثَة، ما الَّذي جرَّأك تقدم إلى الميدان؟! إن كنت فارسًا لتعلم من عبد القفا واللهازم، ثمَّ ضربه ضربةً فكان كأمْسِ الدَّابر، فما ثبتَ لخالدٍ كافِر، ثمَّ التَحَمَ الجيْشان في قتال عنيف، ما لقي خالدٌ مثله، وهو أمنع من عقاب الجوّ، تراه يقتحم الهيجا كأنَّ به على كمال النُّهَى عند اللقا هوجا.
حداؤه لو حَدَا:
أُنَاضِلُ عَنْ دِينٍ عَظِيمٍ وَهَبْتُهُ عَطَاءَ مُقِلٍّ مُهْجَتِي وَحَيَاتِي