فهرس الكتاب
فوجَّهوا سهامَهُم له حتَّى صار في مثل الحرجة من كثرة السّهام، فراغ بفرسه أحمى من جبهة الأسد، ولجأ إلى مولاه ونذَر قائلًا:
اللَّهمَّ لك عليَّ إن منحْتنا أكتافَهم ألا أُبْقي أحدًا منهم حتَّى أُجْري نهرَهم بدمائهم، الله أكبر.
وَاللَّهُ أَكْبَرُ صَيْحَةٌ مِنْ قَائِدٍ مَلأَ اليَقِينُ فُؤَادَهُ فَتَفَجَّرَ
اللَّهُ أَكْبَرُ فِي العَدُوِّ تَدُكُّهُ وَتُزَلْزِلُ البَاغِي وَمَا قَدْ عَمَّرَ
هَزَمَتْ أَشِعَّتُهَا الظَّلامَ وَزَلْزَلَتْ كِسْرَى وَرَاءَ الخَافِقَيْنِ وَقَيْصَرَا
ويا لله، إنَّ جبهة معها الله لا تنكسر، ولو اجتمع عليْها الجنُّ والبشر.
انتابهم الذعرُ ولاذوا بالفرار، وركب المسلمون أكتافَهم يقتلون ويأسرون، وخالدٌ يُنادي: الأسرَ، الأسر، لا تقتلوا إلاَّ من امتنع؛ يريد أن يفِي بنذره، فجاؤوا بالأسرى سبعين ألفًا يُساقون كالأنعام، وأمر خالدٌ بحبس النَّهر أو تحويل مَجراه، وأمر بضرْب أعناقهم والدماء تتخثَّر لا تَجري، فقال القعقاع: عفا الله عنك أبا سليمان، لو قتلتَ أهلَ الأرْض ما جرى الدَّم، ولكن أطلق الماء عليه فيجري وتبرّ، ففعل فجرى نهر ليس أحمر قانيًا، فسمِّي حينها بنهر الدَّم.
ونادى المنادي: إلى الطَّعام يا عباد الله، ليصدق ظنُّ جابان في سيف الله، فيبقي الشامخ البطل ولا يتزحزح الجبل.
نُقِل الخبر إلى الصدّيق فتوَّج خالدًا بالمقالة الخالدة:"عدا أسدُكم على الأسد، فغلبه على خراذيله، عجزتْ نساءُ الأرض أن يُنشئن مثلَ خالد، أمَا واللهِ، لأنسينَّ الرُّوم وساوسَ الشَّيطان بأبي سُلَيْمان خالد".
فذلك سيف الله في الأرْض سلَّه، أذَّل به الله الَّذي كان ظالمًا، وعزَّ به المظلومُ واشتدَّ جانبه.