وهذه الدعوة كانت من موسى- عليه السلام - غضبًا لله ولدينه على فرعون وملئه الذين تبين له أنهم لا خير فيهم ولا يجيء منهم شيء كما دعا نوح- عليه السلام- فقال: {رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاْرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا } [نوح:62، 72] ولهذا استجاب الله تعالى لموسى عليه السلام فيهم هذه الدعوة التي أمن عليها أخوه هارون فقال تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا } [يونس:98] قال أبو العالية وأبو صالح وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس: دعا موسى وأمن هارون أي: قد أجبنا كما فيما سألتما من تدمير آل فرعون، وقد يحتج بهذه الآية من يقول: إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة ينزل منزلة قراءتها لأن موسى دعا وهارون أمن، وقال تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا } [يونس:98] الآية، أي كما أجيبت دعوتكما فاستقيما على أمري قال ابن جريج عن ابن عباس: فاستقيما, فامضيا لأمري, وهي الاستقامة قال ابن جريج يقولون: إِن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة، وقال محمد بن علي بن الحسين أربعين يومًا [1]
فإن قيل: كيف قال: {دَّعْوَتُكُمَا } وهما دعوتان؟ فعنه ثلاثة أجوبة [2] .
أحدها: أن الدعوة تقع على دعوتين وعلى دعوات وكلام يطول أن الكلمة تقع على كلمات، قال الشاعر:
وكان دعا دعوة قومه
هلم إلى أمركم قد صرم
فأوقع «دعوة» على ألفاظ بينها آخر بيته.
والثاني: أن يكون المعنى: قد أجيبت دعواتكما، فاكتفى بالواحد من ذكر الجميع، ذكر الجوابين ابن الأنباري. وقد روى حماد بن سلمة عن عاصم أنه قرأ «دعواتكما» بالألف وفتح العين.
والثالث: أن موسى هو الذي دعا، فالدعوة له، غير أنه لما أمن هارون، أشرك بينهما في الدعوة، لأن التأمين على الدعوة منها.
(1) 56) تفسير القرآن العظيم 4/252.
(2) 57) زاد المسير5و6.