فهرس الكتاب
والآية على ذلك أن معاد الضمير في قوله:"لما نسجتها"اختلف النحاة في تخريجه، ومنهم أبو الحسن، وأبو علي الفارسي: فهو إما يعود على"المقراة"، وإما يعود على المواضع الخمسة كلها ( ) . فالعجب من شاعر يذكر حبيبة ويربطها بمكان محدد، ثم لايكاد يمضي إلى البيت الموالي حتى يتنكر لذلك المكان فيهمل إعادة الضمير عليه، وينصرف إلى سَوائِه. فما أنسى الشاعر سِقْط لِوَاهَ؟ وما أعجله إلى سواه؛ والحال أن أنثاه كانت تحيا في الموضع الأول، ولم تذكر المواضع الأربعة الأخراة إلاّ على سبيل التعريف به، والتحديد له؟ فما هذا الإشكال؟ إلاّ أن يكون"بين"في بيت امرئ القيس واردًا بمعنى المصاحبة أو العطف، فنعم. ولكن لا أحد من النحاة يجعل"بين"بهذا المعنى، فماذا؟
كأن هناك سَقْطًا في الكلام، ضاع من الرواة، وقع لِمَا بعد"سِقْط اللِوى"؛ وإلاّ فكيف يتحدَّث الناص عن مكان، ثم يعيد الضمير على سواه، في حيز ضيق من الكلام؟ هل يعقل أن تكون الأمكنة الخمسة بجذاميرها دارِسَةً عافيَةً، ومُقْفِرَةًً بالية، والحال أن البكاء إنما كان ينصرف، أصلًا، إلى المكان الأول، إلى سِقْط اللِّوى، لا إلى الأمكنة التي يقتصر دورها، في ظاهرة الدلالة، على مجرد التعريف به؟ وما جدوى ذِكْرِ الأمكنة التالية واّتِرَاك المكان المقصود، المكان الذي كان يُؤوي منزل الحبيب؟ ومهما يكن من شأن، فإن هذه الحبيبة، فيما يبدو، لم تك إلا ورقيّة، إذ نلفي ذا القروح يفرغ لوصف النساء الحقيقيات، فيما بعد من معلقته، فيذكر بعضهن بأسمائهن (فاطمة -أم الرباب -أم الحويرث -عنيزة(ولعلها غير فاطمة، وهو ما يزعمه الرواة) ويعفّ عن ذكر أسماء الأخريات. وقد ألفيناه يبدع في الوصف الجسدي المفصل: للشعر، والكشح، والساقين، والترائب، والبشرة، والخد، والعينين، والجيد، والأصابع، والقامة الفارعة...