فهرس الكتاب
وكل ذلك إذا صَدَّقنا، وسنكون إذًا سُذَّجًا، أن معلقة امرئ القيس (والطللية التي نحن بصدد تحليلها طرف منها) ، كما أَثْبِتَتْ في المتون، وكما تداولها حَمَّادٌ وخَلَف، هي حقًا كلها من حُرِّ شعره، وخالص إبداعه، وأنها، إذن، استطاعت أن تُفْلِتَ من عبث الرواة المحترفين الذين كانوا يتزيدون في الأشعار، وخصوصًا منهم حمادًا الراوية الذي عاث في الشعر الجاهلي فسادًا فلا يَصْلُحُ بعده أبدًا، مع أنه"كان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها (....) . وكان غير موثوق به، وكان ينحل الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار" ( ) . وكان حبيب بن يونس لا يبرح يردد، في حيرة وحزن:"العجب ممن يأخذ عن حمادٍ، وكان يكذب...." ( ) . وقد حاولنا أن نتتبع آراء النقاد الأقدمين في حماد الراوية وخلف الأحمر، حول كذبهما وزيادتهما في أشعار الناس، وذلك فيما لدينا من مصادر محدودة في مكتبتنا الشخصية، فبلغ ذلك تسعة مصادر على الأقل لكل منهما ( ) .
وعلى الرغم من أننا سنتناول هذه المسألة في مقالة مستقلة، وسنُعيدُها ببعض ذلك جَذَعَةً؛ فإننا نلاحظ أن هناك مكرراتٍ في معلقة امرئ القيس، كتكرار بعض الأوصاف الجسدية أكثر من مرة واحدة، وذلك على أساس أن الذي يكذب يَنْسى، وأقصد كَذَبَة الرواة. ولو كانت كلها من حر قوله لما كررت هذه الأوصاف وذلك على غرار ما نلفيه من تكرار الكشح مرتين، والساق مرتين، والتشبيه بمصباح الراهب مرتين... كما نلاحظ هذا الاختلاف الشنيع بين روايتي الزوزني، والقرشي، فالقرشي يضيف آباييت كثيرة لم يذكرها الزوزني، وخصوصًا في المطلع الطلليّ مما يدل على عبث حماد الذي يعود معظم الشعر الجاهلي وروايته إليه، وقد عرفنا ما قال فيه قدماء العلماء....