فهرس الكتاب
لانحسب أن الناص ذكر هذه الديار، وأومأ إلى هذه الآثار، وهو في معرض سَوْقٍ لذكريات جميلة بادت، وأزمنة قشيبة بَليتْ، وفتيات فاتنات الملامح، بَضَّات الترائب، سود الجفون، أسيلات الخدود، نحيلات القدود، ضامرات الكشوح، مستشزرات الشّعور: ثم لاَ يقْرِن تلكم الذكريات بالجمال البديع، ولا يربطها بعهد الشباب الجديد، ولا يغمسها في غدران وعيون، لَتَترَهْيَأَ من بعد ذلك بين الرياض والزروع. فالحبيب هنا يعني امرأة، والمرأة قد تعني مجرد أنثى، ولكنّ أُنثِيَّتها ( ) هي التي، ربما، تضفي عليها شعاع الحب، ويعني الحب حزمًا من الذكريات المتراكمة؛ وتعني الذكريات هذه الأسقاط من الأزمن العائمة في أحياز الأمكنة التي تشكل، لدى نهاية الأمر، متضافرةً بجذاميرها، شحنًا من التمثلات التي تعتور الذاكرة، أو تتواثب في مجاهلها الشاسعة؛ كلما حدث حنين عارم إلى ماضٍ غابر، أو دعا داعٍ إلى نبش معيش الأمس الدابر.
ذلك بأننا نذهب إلى أن هذه الأحياز، أو هذه المواضع التي أراد الناص أن يتخذها مسرحًا لعرض بعض ذكرياته العذاب، في بعض هذه الأبيات الشعرية الوحشية، أو العذرية، أو الغجرية: هي في معظمها مياهٌ للعرب كانت معروفةٍ لديهم، مثل الدخول الذي كان واديًا جاريًا، ولا يعقل أن يكون هناك وادٌ في بلاد العرب، أو في بعض بلاد اليمن، ثم لا ماء فيه. فعهدنا بتلك الأودية السحيقة مسايل للماء، ومجارٍ للسيول، ومدافع للعيون. فكان فيها ظل وماء، وفيها دفء واعتدال. ولأمر ما ألفينا شجر البن يخضر فيها وينضر، ثم يزهر ويثمر، فتراه يتخذ منابته المخضوضرة في جنبات تلك الأودية السحيقة التي لا نكاد نلفي لها مثيلًا في العالم: الظل، والماء، والاعتدال الدائم على وجه الدهر.