فهرس الكتاب
ولا يقال إلا نحو ذلك في توضح والمقراة اللتين كانتا قريتين من نواحي اليمامة ( ) . ولا يعقل أن تكون قرية يقطنها الناس، ولا يكون فيها ماء و لامرعىً ولا شجر، ولا يكون بِدِمنَها وعرصاتها، ومرتفعاتها وقيعانها، نَبْتٌ ولا كلأٌ ولا اخضرار. إن ذِكْرَ المواضع الغانية، لا يمكن إلاّ أن ينشأ عنه الحد الأدنى من التصور الجمالي المتجسد في ضرورة وجود الماء الذي يفضي بالضرورة إلى وجود الشجر والزرع الذي يفضي بالضرورة إلى وجود الحياة الغانية التي تفضي بالضرورة إلى التخاصب والتزواج والتعايش والتحابّ.
فلا يترعرع الحبّ إلا في ظل شجر، وحول ماء جارٍ، وفي وادٍ ممرع، ووسط مخصب؛ إذا لم تكن بلاد العرب كلها مجرد رمال قاحلة، وسوافٍ عاصفة؛ فإن فيها مواضع ليس أجمل منها على الأرض...
ونريد أن نتوقف لدى ضربين من الحيز ونحن نحاولُ مُدارَسَةَ جماليَّاتِهِ، في بعض هذه الأبيات الستة:
الحيز بين الانتساج والانتساخ، والحيز الأخضر، عافّيِنْ عما بقي من أضربه إلى حين.
1-الحيز بين الانتساج والانتساخ:
يصادفنا في طللية امرئ القيس حين يتحول من حال إلى حال، ومن وجه إلى وجه، في إفراز الجمال، فترى سطحه ينتسخ، وشكله ينتسج؛ وذلك بفعل انتساج الرمال وحركتها الناشئة عن عصف الرياح، وهبوب السافيات. فتلك الأحيازَ قاومت الطبيعة بالطبيعة، وقل: إنّ الطبيعة العذراء هي التي تقاوم ذاتها، فانْتَسأ العفاءُ بفضل الرياح التي كانت تذرو الرمال على هذا الوسط الصحراوي العجيب:
لم يعف رسمُها* لما نسجتْها من جَنوب وشَمأَلِ
ويبدو أن حركة الانتساخ الرملي التي كان ينشأ عنها مناظرُ عاريةٌ عجيبة كانت تتم تارة بفعل هبوب الرياح من الجنوب نحو الشمال، وتارةً أخراة بفعل هبوب الرياح من الشمال إلى الجنوب.