الصفحة 24 من 461

وربما لم تعبد الشمس في شمال الجزيرة قطّ، لأنّنا لم نعثر على صنم من أصنامهم هناك كان يمثّل على الحقيقة التاريخية الدامغة، الشمس المعبودة التي عبدت في مأرب على عهد الملكة بلقيس، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم [28] . وما نراهم قد تسمّوا به من مثل عبد شمس لعله لم يك إلاّ أثرًا شاحبًا لذلك التوهج الوثنيّ القديم الذي محاه الزمن، ودرسه الدهر حيث أنّ بلقيسًا كانت تعيش في القرنين، الحادي عشر، والعاشر قبل الميلاد.

"وقد كانت العرب- كما يقول ابن الكلبي- تسمّي بأسماء يعبّدونها؛ لا أدري أعبّدوها للأصنام، أم لا؛ منها"عبد ياليل"، و"عبد غنم"، و"عبد كلال"، و"عبد رضى" (29) ."

ومن الغريب حقًا أنّ الأساطير تذكر أن الكنعانيين كانوا يقدسون الثور؛ وفي الوقت ذاته نلفي الإله"بعل"يذبح لشقيقته عناة"ثورًا ويشويه؛ فتأكل؛ ثم تغسل يديها بالندى والماء" (30) .

إن هي، إذن، إلاّ أساطير في أساطير، والذي يحاول أن يستخلص منها علمًا، أو يستنبط منها أحكامًا تاريخية، سيتورط في فخّ أسطوريتها فلا يفلح في بحثه، ولا يهتدي في أحكامه...

ويرى الدكتور البطل بأن العرب لم يكونوا، في الأزمنة الغابرة،"أصحاب حضارة زراعية يعتدّ بها (....) ولعل هذا هو سر اتجاههم إلى الشمس وهي أظهر ما في حياة الصحراء، خالعين عليها صفة الأمومة؛ فاعتبروها الربة، والآلهة الأم. ولعل هذا هو سر تأنيث الشمس في اللغة العربية على عكس اللغات التي ربطتها بإلهٍ ذكر" (31) :

فالأولى: أن تأنيث الشمس، في اللغة العربية، لا حجة فيه على الأمومة، ولا على الإخصاب؛ لأن هناك أممًا أخراة ربما كانت تعبد الشمس، وهي، مع ذلك تذكّرها، فالتذكير والتأنيث، في اللغة، لا ينبغي له أن يخضع، في كل الأطوار، للمعايير التي يبني عليها الدكتور البطل حكمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت