الصفحة 25 من 461

والثانية: أن الماء من الأمور التي لفتت عناية الإنسان القديم، ومع ذلك نلفي الماء مذكّرًا، في اللغة العربية، وهو رمز للإخصاب، أكثر بكثير من الشمس (وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ) (32) : حتى أن ملك الروم كان بعث إلى معاوية بقارورة وقال له:"ابعث إليّ فيها من كل شيء" (33) ، فملأها له ماء. فقال ملك الروم لما وردت عليه:"للّه أبوه ما أدهاه" (34) ؛ وذلك على أساس أن اللّه جعل في الماء كل شيء... وإن كنا نلفي هذا الماء مؤنثًا في كثير من اللغات الأخراة كالفرنسية، والإنجليزية، والإسبانية...

والثالثة: أن العرب لم تكن تؤنث الأشياء والظواهر للتعظيم والتقدير، في كل الأطوار؛ ولذلك قال أبو الطيب المتنبي:

ولو كان النساء كَمَنْ فقدَنْا

لفُضِّلَتْ النساءُ على الرجالِ

وما التأنيثُ لاُسْمِ الشمسِ عَيْبٌ

ولا التذكيرُ فخْرٌ لِلْهلالِ (35)

وقد خاطب الله الكفار حين جعلوا له بناتٍ (أفرأيتُمُ اللاَّتَ والعُزَّى، ومَنَاةَ الثالثةَ الأُخْرى. ألَكُمُ الذّكَرُ وله الأُنُثَى؟ تلك إِذَنْ قِسْمَةٌ ضِيزَى"(36) ."

والرابعة: إنّ المشركين حين اتخذوا اللاّت يعبدونها من دون الله في الطائف وما والاها إنما"اشتّقّوا اسمها من اسم الله، فقالوا: اللاّتَ، يعنون مؤنّثة منه، تعالى الله عن قولهم علوّا كبيرا" (37) . ويؤيّد ذلك ما ذهب إليه الزمخشري في تفسير بعض هذه الآيات حين قرر:

"إنّ اللاّت والعزّى ومناة: إناثٌ، وقد جعلتموهنّ لله شركاء، وما شأنكم أن تحتقروا الإناث وتستنكفوا من أن يُولدْنَ لكم، ويُنْسَبْنَ إليكم: فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أندادًا لله وتسمّونهنّ آلهة؟" (38) .

وإذن، فلا يمكن أن يكون التأنيث للشمس تفخيمًا لها وتعظيمًا ، ولا تقديرًا لها وتقديسًا. ولو كانوا أرادوا إلى ما أراد إليه الدكتور البطل، وبناء على بعض ما رأينا من أمر هذه الآيات الكريمات، وما استنبطنا من تفسيرها: لكانوا، في رأينا، ذكّروها، لا أنّثوها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت