الصفحة 83 من 461

يقيم الناصّ ملحمة الحنين العارم على خمسة أمكنة هي: سقط اللوى، والدَّخُول، وحومل، وتوضِح، والمقراة. ذلك بأنّ الرَّسْم الدارِسَ الذي يَعْنيه، والرَّبع البالي الذي كان يضني قلبه ويبريه؛ إنما هو سِقْطَ اللِّوى الواقع بين هذه المواضع الأربعة. فكأنه واسطة عِقْدِها، وجوهرة قلادتها. فالحبيب الذي من أجله استبكى أصحابه بعد أن كان هو بكاه، كان يثوي بهذا الربع الدارس الذي طالما قضّى فيه لحظاتٍ مفعمةً بالسعادة، وأوقاتًا غامرةً بالحبّ، وأزمانًا حافلة بالملذّات.

لقد اغتدت الدارُ رسمًا دارسًا، وربعًا خاليًا، تقطنه الآرام وتسرح فيه، بعد أن كانت غانيةً حافلة، ومكتظةً بأهلها عامرة. والآية على دروسها بَعْضُ هذا الذي تراه من بَعَرِها الذي تَحْتَفِل به عرصاتها، وتمتلئ به قيعانها؛ فإذا هو كأنه حبُّ فلفل طريح.

لقد تحمّل الأحبة إذًا أياديَ سَبأ فما أنت فاعلٌ؟ لو كنت تدري أين يَمَّمُوا لكنت قَصَصْت آثارهم؛ ولو كنت تعلم إلى أين ذهبوا لالتمست ديارَهُم... لكن كيف تدري، مالا يُدْرَى؟ وكيف يجوز لك ذلك وهم رحَّلٌ نُقِّلٌ: لا يستقرّ قرارُهُم، ولا تُعْرَفُ دارهم: اليومَ هنا، وغدًا هناك، وبعد غدٍ هنالك. اليوم في هذا الوادي الخصيب، وغدًا في ذاك المَرْج المُمْرِعِ.

فماذا دهاكِ أيتها الحبيبة الذاهبة وقد كان رَبْعُك مُخْصِبًا، وواديك مُعْشبًا، وناديك مُمْرِعًا؛ حتى قلنا وقلت: عَلِقَتْ مراسيها بذي رَمْرَام! وحتى قلنا وقلت: بهذا الوادي تَحلوْلي اللّيالي والأيام. لكن وا حسرتاه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت