فهرس الكتاب
لكن ما يدريك؟ فلعلّ الحبيبة الظاعنة لم تتحمّلْ إلى وادٍ آخر خصيبٍ اختيارًا، وإنما جاءت ذلك وأهلَها اضطرارًا. والآية على ذلك لا تبرح في رَسْمِها الدارس بقيّةٌ من كلأ، وسُؤْرٍ من ماء: فأيما الآرامُ ففيه تتواثب، وأيما الأُتُنُ فخلالَهُ تتلاعب، وأيما الطير فَحَوالَهُ تتجاثم. أرْوِعْ بك أيُّها الوادي وأخْصِبْ! وأجْمِلْ بك أيها الرُّبعُ، على البلى، وأنْضِرْ! لكن كيف تَحَمَّلَ عنك الأحبة ورَغِبُوا عنك إلى سَوَائِك؟ ألم تَضْطَرْرهُم إلى ذلك دواعي الاضِطِرار؟ أم لم يك وراء ذلك غارةٌ شعواء شُنَّتْ على الحي على حين صباح، أو توجَّسوا خَوفًا من هذه الغارة فوقع التحمُّلُ على غير رغبة، وفي شيء من الإكراه، وعلى جناح من العجلة؟ إيه أيتها الحبيبة الذاهبة، والعزيزة الغائبة: أين أنتِ الآن وقد تحمّلتِ عن مغناك الذي أصبحتْ دِمْنَتُه مرتعًا للصِّيرَانِ، ومرعىً للأبقار؟ أو لاتبرحين مُدّكرةً بعض تلك الأيام الحوالِم التي مضّيناها ألْمَعا؟
أيما أنا فما أشدَّ ذكْري لك، وَعَلقي بك. ذكرى هَدَّت كياني، وفاض منها جناني، فاغتَديْتُ، غداةَ بَيْنِكِ -يوم تحملّتِ عن سقط اللِّوى وأنا قائمٌ لدى سَمُرْات الحيّ- حائرًا سامِدًا، وحزينًا سادِرًا: فِعْلَ مَن يَنْقُفْ الحنظل فتتهاتَنُ دموعه غِزارًا...
أعلمتِ أم لم تَعْلَمي...؟ ألم تبلغكِ الأخبارُ عن صحابي حين احْدَوْدَقُوا بي ليواسوني بما أَلَمَّ عليّ من هول البيْنِ، وفاجعة الفراق؟ لو رأيت شاعِرَكِ، أيتها الحبيبة، وهويذرف الدموع تذرافًا...
وإن تعْجَبي فعَجَبٌ من شاعر صَبٍّ مستهام لا يُلْفِي عزاءَه إلاّ في البكاء، ولا سُلُوَّهُ إلاّ في النّحيب، ولا لذّاته إلاّ في تذراف العَبَرات... لكنْ ما أغرب أمرَ شاعرك أيتها الحبيبة الظاعنة إذ اغتدى باكيًا لدى رسم دارس: إنْ نُودِيَ لا يُجيب، وإن طُلبَ لا يستجيب...