فهرس الكتاب
وبعد، ألمْ يأن لكَ أن تتجمَّل وتَتصبّر، وتتجرَّع وتتوَّرع، فلا تُشفّي فيك مالا يَعِي عنك ولا يدرك؟....
ثالثًا: أنتوروبولوجيّة الوسط:
إنّ هذا الوسط بدائيّ، ولعله بذلك أن يليق كَوُنَه موضوعًا للتحليل الأنتروبولوجي بامتياز على الرغم من غياب العناصر التي ينشط لها هذا العلم الذي تعامل مع الوسط وما يحتويه:
فالأولى: إنّ الإنسان الذي كان يعيش في هذا الوسط (سِقْط اللوى) لا ينهض نظامُ عيشه على الاستقرار، ولا على الكتابة، ولا على منظومة من القوانين التي تحدّد العلاقات بين الناس فيعرف كل منهم حَدَّهُ فلا يتعدّاه، وذلك بناءً على ما سطّر من تلك القوانين، وإلاّ فهناك دولةٌ حامية، وشرطة ساهرة، وعدالة حاكمة.
والثانية: إن الإنسان هنا، في هذا الوسط، كان يتعامل مع الطبيعة في حال عُذْريَّتها، أو قل في حال وَحْشِيَّتها. خذ لذلك مثلًا الرّمال التي تنسجها الرياح من الجنوب إلى نحو الشمال، ومن الشمال إلى نحو الجنوب؛ وربما من الغرب إلى نحو الشرق، بل ربما من الشرق إلى نحو الغرب.
وخذ لذلك مثلًا آخر: الآرام التي كانت تتواثب في قيعان هذا الوسط وعرصاته الخالية، والذي يدلّ على وجودها هذا البَعَرُ الأسودُ الذي بعضُه رَطْبٌ، وبعضه يابس؛ والذي يصادفك من هذا القفر أنّى دَرَجْتَ؛ حتى كأنه حب فلفل منثور على هذه الساح.
والثالثة: إنّ وسائل النقل هنا مجرّدُ حيواناتٍ توقَرُ بالبضائع والمرافق والمُحِلاَّتِ. وهي تتجسد خصوصًا في البعير. ذلك بأنه لم يَكُ في هذا الحيز عربات تَتَجرْجَرْ، ولا خيولٌ مطهّمةٌ تصهل، وإنما نجد تعاملًا مع المطايا التي كانت أحسن وسائل النقل، والتنقل، في هذا الوسط الصحراوي المقفر.