الصفحة 86 من 461

والرابعة: إنّ هذه الأحيازَ لم يكن يحكمها نظام العمران الذي يغلب على طابع المدن المكتظة من تشييد للدّور على أساس، وشقّ للطرقات على تخطيط، وإقامة للحدائق، ونصبٍ للملاهي، وتسريح للملاعب، على تجميل؛ وإنما كانت مجرد أقفار تُطَنَّبُ عليها خيام، حتّى وقع لها واقع، أو طاف على المَعْشَر طائف: قُوِّضَتْ الخيام بعد تَطْنيبٍ، ونادى المنادي في الأصاحيب: أن ارْتَحِلوا من حَيّكُم هذا إلى حيّ آخر مُعشب مُريعٍ...

والأخرى: لم يك هنا نظامٌ للتغذية قائم على تناول ثلاث وجباتٍ في اليوم ( ) ولا على أسواق نافقة، ولا على دكاكين عامرة يبتاع منها الناس ما شاء الله لهم ان يبتاعوا: من أطعمة وأشربه، ومرتفقات وألبسة؛ ولاعلى شوارع مخططة يتجوّل فيها الناس، ولا على ساح يَحْرَنْجِمُ فيها الفتيان للهو والتسلية ساعةً من نهارهم، أو سويعاتٍ من ليلهم.. لا شيء من بعض ذلك كان.. وإذن، فلم يكن هناك إلاّ مجموعةٌ من الخيام تنصب، وشيءٌ من الطعام يتبلغ به. إذا ألمّت على أحدهم، أو إحداهنّ، علّةٌ من العلل فلا آسي ولا دَوَاء؛ إلاّ ما كان من طبّ الأعشاب القائم على التجارب الشفوية؛ وإلاّ ماكان من سِحْرِ السَّحَرةِ، وكهانة الكهنة. ولكن نادرًا ماكانت مثل تلك المساعي مُجْدِيةً، وتلك الطقوس نافعة، في مداواة الأدواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت