الصفحة 88 من 461

ينصرف إلى امرأةٍ كان يحبها. وإلى هنا لا غرابة في أن يحبّ شاعر امرأة. ولكننا نقرأ، نحن، هذه المرأة- الحبيب- على أنها لم تكن امرأة بالمفهوم الحضاريّ الجاري بين الناس...، وإنما كانت مجرد أنثى. فقد كان يحبها لأنه ذكر، لأنه من جنس الذكور والفحول، ولأنها هي كانت أنثى. إنّا لا نعتقد أن حبه إياها كان من أجل تأسيس بيت، وإنجاب أطفال، والتمتع معها بحياة عائلية مدنية قائمة على الوئام والاستقرار. لا ديَّارَ من العقلاء يجب أن يفهم لفظ"حبيب"المَرْقَسيّ إلاّ على أنَّ هذا الحبيب ينصرف إلى حبيبته، وإلاَّ على أنّ هذه الحبيبة تنصرف إلى أنثى جميلةٍ تكتظ بالمفاتن الأنثوية بما هي بَضَاضَةُ البَشَرة، وغضاضة الجسد، وهَفْهَفةُ الخَصْر، وهَضْمُ الكَشْح، وصَقْلُ الترائب؛ والآية على ذلك قوله في وصف امرأةٍ أخراة في بعض هذه المعلقة نفسها:

مُهَفْهَفةٌ بيضاءُ غَيْرُ مَفاضَةٍ

ترائبُها مصقولةٌ كالسَّجَنْجَلِ

فالحبيبة التي كانت يحنّ إليها امرؤ القيس، أو قل هذا الفحل من الرجال، لم تك إلاّ انثى غامرة الأنوثة، أما ما عدا ذلك مما فيها، أو مما يمكن أن يكون فيها، من عقل، وثقافة، ورزانة، وجمال روحٍ: فلا نلفي له إيماءة بَلَه ذِكْرًا.

والآية على أنّ هذه الحبيبة كانت أنثى أساسًا، ولم يكن يُلاصُ لها إلاّ أن تظل أنثى عُمْرَها، أنّ العرب، على ذلك العهد، كانوا حين يظعنون يُركِبُون نساءَهم على المطايا في الظُّعنِ. وكانت المرأة من النساء لا تمتطي المطيّة ولو كانت على ذلك قادرةً، بل بَعْلُها هو الذي يُركبها حتى قالوا في أمثالهم السائرة على لسان امرأة -أنثى- تخاطب زوجها:"احمل حِرَكَ أو دَعْ"! ( ) .

وبمقدار ما كانت المرأة العربية قبل الإسلام قادرةً على مساعدة الرجل في الحياة العامة. وتفّهم أصول الحياة البدوية بما فيها إيرادُ الإبل كما يدل على ذلك قول النوار بنت جُلّ بن عدي بن عبد مناة بن أُدٍّ من تيم الرّباب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت