فهرس الكتاب
أوْرَدهَا سَعْدٌ وسَعْدٌ مُشْتَمِلْ
ماهكذا تُوردُ، يا سَعْدُ، الإبِلْ ( )
فإنها، مع ذلك، ظلّت في مقام المنظور إليها على أنها أنثى قبل كلّ شيء تصلح للإنجاب وإطفاء الرغبة الجنسية لدى الرجل. والاستثناءات التي تصادفنا هنا وهناك من التراث العربي القديم والتي تذكر نساء ذوات شخصياتٍ قوية، لا تصحّح القاعدة. وإنما الإسلامُ الذي كرّم المرأة وجعلها شقيقة الرجل. وأنّ الذي يتتبّع الأشعار العربية القديمة، والتي استشهد بكثير منها المعجميون الكبار أمثال ابن منظور، فإنّ كثيرًا منها ينظر إلى مكانة المرأة في المجتمع على أنها لذّاتيّة وجنسيّة وجماليّة قبل أيٍّ شيء آخر. ونحن نتحلّل من الاستشهاد ببعض هذه الأشعار الجنسية الكثيرة لأنّ الذوق الأدبيّ العامّ المعاصر يأبى علينا ذلك...
وإذن فامرؤ القيس لا يبكي هذه المرأة لأنه كان يريد أن يسكن إليها، ويزاوجها ليأنس بها، ويعاشرها ليُنْجِبَ معها، أو منها، بالمودة والرحمة، وإنما كان يبكيها لأنه فقد فيها الملذّات الجسديّة قبل كل شيء. وبين الأمرين بونٌ بعيد.
2-وأما المنزل الذي نلفي امرَأَ القيسِ يبكيه، ويحنّ إليه، ولا يرضى بذلك حتى يستبكي صِحَابَه، ويستوقف رفاقه، من أجله:
قفا نَبْكِ من ذِكْرى حبيبٍ ومنزل
بسِقْطِ الِلِّوى بين الدَّخول فَحَوْمَلِ
فلا ديَّارَ من العقلاء يعتقد أنه منزلٌ مما ألفنا رؤيته من مرصوص البنيان، ولا ممّا شُيّد على أسس وأركان، وإنما هو، في الغالب، مجردُ خباءٍ من صوفٍ، أو خيمة من شعر، أو مظلّةٍ من شجر، أو أقنةٍ من حجر، أو طِرَافٍ من أدم ( ) فهذه هي أمّ أنواع بيوت العرب. ومنزل حبيبة امرئ القيس، أو أثناه كما نريد نحن أن نعبّر، لا ينبغي له أن يخرج عن أحد هذه البيوت التي جئنا عليها ذَكرًا.