الصفحة 92 من 461

والثالثة: أن الحياة في هذا المنحى المتحدَّث عنه، في البيت المرقَسِيّ، بمقدار ما رأينا قيامها على تلك الفولكلوريات التي كانت تُعَدُّ، يومئذ، تقنيات مقبولةً لبناء الخيام ونصب الأخبية؛ فإنها كانت مرتبطة بالإبل التي يركبونها في السفر، ويحملون عليها أمتعتهم حين التَّظعان، ويَطْعَمُونَها لدى القَرَم، ويُقدمونَها مهرًا لدى النكاح، ويَدُون بها لدى حوادث القتل، ويبيعونها بَضاعة في الأسواق ليمتاروا بثمنها ما كانوا يتبلغون ويتقوتون. إذ لا يجوز تصور قيام حي من الأحياء، وحياة من الحيوات، في ذلك المجتمع الجاهلي البدائي بمعزل عن هذه الإبل التي كان غِنَاهم في اقتنائها، وعِزُّهم في امتلاكها، وشرفُهم وذيوعُ ذِكْرِهم في هِبَتِها أو نَحْرِها. وكانوا يَسِمُونها بسمات تحيل على مالكيها، وقبيلتهم. وكانوا، ربما، أطلقوا على تلك السمات"النَّار"التي تعني العلامة، ولذلك قالوا في أمثالهم السائرة، وأقوالهم الدائرة، في معرض الحديث عنها، وموقف التنويه بها:"نارُها نِجَارها" ( ) . ثم، لذلك قالوا في أشعارهم الشاردة:

نِجارُ كُلِّ إبلٍ نِجارُها

وَنارُ إبْلِ العالمينَ نارُها ( )

فكانت هذه النارُ سِمَةً على شرف الأصل، وعلو النجْر، وطيران الذكر.

والحق أن للإبل مكانةً مكينة في المجتمع العربي بعامة، والمجتمع الجاهلي بخاصة. ومن حقنا، ونحن نحاول التركيز على هذه الإبل في النص الذي نريد تحليله، أن ننصرف بوهمنا إلى دَوْرها الاقتصادي الكبير في ذلك المجتمع المتبدي حيث إنها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت