فهرس الكتاب
كان من دأب العرب إذا وقعت حادثة قتلٍ، وما أكثر ما كانت تقع، إما بين شخص وآخر، وإما بين قبيلة وقبيلة أخراة، وذلك خارج إطار حرب معلنة: أن يحتكموا إلى حكمائهم لودْي القتيل، وإلاّ أخذوا بثأره دمًا. وكانت دية القتيل، في حال الاتِّداء، غالبًا ما تبلغ مائة بعيرٍ للقتيل الواحد، أو الأسير الواحد، فإنْ أسر أسيرًا رجلان اثنان كان لكل منهما مائةٌ من البُعْران. فإن كان الأسير سيدًا من سراة القوم كانت الدية أكثر من ذلك كما وقع في افتداء معبد بن زرارة الذي أسره عامر والطفيل، وجاءهما لقيط بن زرارة أخوه ليفتديه منهما بمائتي بعيرٍ فاستقلا المكافأة قائلين:"أنت سيّد الناس، وأخوك سيد مضر، فلا نقبل فيه إلاّ دِيَّةَ ملك." ( ) .
5-مهر النساء:
وكان الرجل الكريم يمهر العقيلة العربية مائة بعيرٍ غالبًا، وظل ذلك قائمًا إلى أن جاء الله بالإسلام ( ) . ويبدو أن العرب بدأت تستعيض عن الإبل بالدراهم حين شاع التداول بين الناس بالعملة المسكوكة، بعد ظهور الإسلام، وبعد تدفُق الثروات ( ) .
كما كانت الإبل تمثّل أساس الاقتصاد في المجتمع الجاهلي فكانت هي مصدر أموالهم ورزقهم، فكانوا إما يربونها فتنتج لهم فيبيعون ما يفيض منها عن حاجتهم في الأسواق، وإما يتاجرون فيها. وكان ذلك يحصل لهم إما بالابتياع، وإما بالإنتاج، وإما بالاتَّداءِ، وأما بألاتِّهابِ.
فكانت الإبل، إذن، أو المطيُ، وقد ذُكِرَتْ في نص امرئ القيس المطروح لبعض هذا التحليل، وكما رأينا، مصدر الرزق لديهم، بل مصدَرَ الحياة والبقاء، ولم يكن أحد من العرب يستغني، على ذلك العهد، عن البعير. فالذي كان يبدع به من فقراء الأعراب، كان يَسْتَحْمِلُ السَّراةَ والأسخياءَ من الناس كما حدث للأعرابي الذي استحمل الرسول، صلى الله عليه وسلم، مخاطبًا أياه:"إني أُبْدِعَ بي فاحْمِلني" ( )