الصفحة 56 من 95

و قد توسع الناس في هذه الرخصة فصار الجمهور ينفرون من أول الليل أو من وسطه، و غالبهم أقوياء أشداء لا عذر لهم، و يتعللون بأن معهم شخص أو شخصان من أهل العذر، و ذلك لا يبرر فعلهم، فإن عليهم أن يبقوا إلى الصباح، و يؤخر النساء الرمي إلى آخر النهار، حيث يخف المكان، و يتسع لرميهم، و إن أخروه إلى الليل جاز، فهو أفضل من رميهم ليلة النحر، و تفويت الجميع للمبيت بمزدلفة الذي هو أحد الواجبات، و عند بعض العلماء أنه أحد أركان الحج.

ثم إذا رخص للضعفاء و العجائز فإن بإمكان غيرهم البقاء في مزدلفة، و بعد الصباح يمشون على الأقدام إلى منى، فلا مشقة في ذلك لقرب المكان، و كثيرًا ما يصل المشاة قبل أهل السيارات، لشدة الزحام في ذلك اليوم.

و بالجملة فإن الرمي يوم النحر يختص بجمرة العقبة، و يكون بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل حصاة، و لا يجوز الزيادة على السبع و لا النقص منها، و إن اقتصر أحيانًا على ست أجزأه إن لم يتعمد للعذر، و يحرص على أن تصيب الحصيات الحوض أو الشخص، و لو تدحرجت إلى الأرض أجزأت، و إن وجهها إلى المرمى، و غلب على ظنه إصابتها أجزأت، و لا يشترط رؤيته للإصابة، فقد يشتد الزحام، و لا يتحقق من إصابة كل حصاة، فيجزئه توجيهها إلى الشاخص و لو كان بعيدًا، إذا كان الغالب من معرفته و عادته الإصابة بمثل ذلك.

و يكون حصى الجمار مثل حصى الحذف، و هو الذي يرمى به بين الأصابع.

و في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال له لما ركب من مزدلفة:"ناولني سبع حصيات". قال: فالتقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف؛ فقال:"بمثل هذا فارموا يا عباد الله، و إياكم و الغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين"رواه أحمد و أهل السنن.

و الذي التقط الحصيات هو الفضل بن عباس، لأن عبدالله كان ممن ظعن مع الضعفة آخر الليل، و قال لهم النبي صلى الله عليه و سلم:"أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس".

و مناسبة النهي عن الغلو، مخافة أن يرموا بأكبر منها من باب التشدد، و قد وقع الغلو من كثير من الناس، حيث يرمون بحصى كبار مثل بعر الإبل، و ربما أكبر من ذلك، و قد يرمي بعضهم بالأحذية، و الحجارة الكبيرة ملء اليد أو نحوها، و يعتقد الكثير من العامة أنهم يرمون الشيطان، و أن الشيطان يتأثر و يتضرر بهذا الرمي، و يسميه الكثيرون بالشيطان، أي: يطلقون اسم الشيطان على الجمرات، بقولهم: الشيطان الكبير، و الشيطان الصغير ... إلخ، مع أن الحكمة في رمي هذه الجمرات هي إقامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت