الصفحة 89 من 95

و لعل هذا صدر على سبيل التهديد و الوعيد، أو لعلَّه فيمن تركه مع القدرة عليه زُهدًا فيه و رغبةً عنه، أو عدم اهتمام بهذا الركن، أو تساهلًا و تهاونًا به، أو انكارًا لشرعيته، أو للحِكَم التي تترتب عليه، أو نحو ذلك، و لا شك أن هذا انتقاص للإسلام.

و قد كان الحج إلى بيت الله العتيق قديمًا قبل الإسلام، فقد رُوي أن الأنبياء قد حجوا هذا البيت، و قد روي في ذلك آثار و أحاديث، و كذلك رُوي أن الملائكة طافت به قبل أن يُخلق آدم، و الله تعالى قد أمر إبراهيم ببناء هذا البيت، و أمره بالنداء إليه بقوله تعالى: (( و أذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا و على كل ضامر يأتين من كل فج عميق ) ) (الحج:27) . و ظاهر ندائه أنه كما روي في بعض الآثار:"يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا"فدلّ هذا على أن الحج واجب، فقوله:"كُتِبَ عليكم"أي: فرض عليكم، كما في قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) ) (البقرة:183) . أي: فُرِض عليكم الصيام.

فإذا عرفنا أن الحج أحد أركان الإسلام، و أن الله تعالى أتم به الدين، و عرفنا أنه لازم و واجب، فعلى كل مسلم إذا تمت فيه الشروط المعروفة أن يأتي لهذا البيت المعظم، ملبيًا نداء الله إليه، فإن من تركه تهاونًا فإنه متعرض للوعيد الشديد؛ سيما و قد فرضه النبي عليه الصلاة والسلام و بيَّنه و أتمه، و قال للناس لما وقف بهم في المشاعر:"خذوا عني مناسككم"و لما وقف بعرفة أنزل الله عليه: (( اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينًا ) ) (المائدة:3) . أي: في ذلك اليوم الذي تمت فيه المناسك و المشاعر و تمت فيه أركان الإسلام، و كان به تمام الدين و كماله، و فيه إتمام لسنة الله عز و جل و رضاه بأن يكون الإسلام دينهم، فهذا كله دليل على أن الحج فرض وواجب.

و من الأدلة على فرضيته عموم أقوال الرسول صلى الله عليه و سلم و أفعاله في التأكيد عليه و بيان فضائله و أنه خاتمة الشرائع، و أن من أتى به كان ذلك من تمام إسلامه، و من لم يأت به كان إسلامه ناقصًا.

نسأل الله أن يجعل لنا منه حظًا و نصيبًا، و أن يجعلنا من المقبولين و المغفور لهم، إنه على كل شيء قدير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت