وعليه أرى أن هذا الأثر أقربُ لأن يستشهد به في باب السفتجة، ذلك أن العقد بعد أن تم قرضًا لا يجوز، بعد حصول المقترض على الربح، أن يتحول قراضًا. وهذا لا يمنع الاستشهاد به أيضًا في باب القراض، لأن فيه ما يدل على جواز القراض، وإن كان الغرض من ذكر القراض فيه لا يتعدى ما هو من مستلزماته، وهو مشاطرة الربح [1] .
هل السفتجة قرض يجر منفعة ربوية محرمة؟
لا ريب أن عددًا من الفقهاء المعتبرين قد أجازوا السفتجة، بعباراتٍ صرحت أن فيها"مصلحة لهما، من غير ضرر بواحد منهما" (المغني 4/ 354) و"كلاهما منتفع بهذا الاقتراض" (فتاوى ابن تيمية 29/ 530) وأن"المنفعة لا تخص المقرض، بل ينتفعان بها جميعًا" (إعلام الموقعين 1/ 391) .
كما ورد في عبارات الفقهاء أنفسهم أن"الشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضَّرة فيها، بل بمشروعيتها" (المغني 4/ 354) وأن"الشارع لا ينهى عما ينفعهم ويصلحهم، وإنما ينهى عما يضرهم" (فتاوى ابن تيمية 29/ 530) .
فأمام جواز السفتجة وأمام هذه العبارات التي علل بها الفقهاء هذا الجواز، يخشى أن يقرأ بعض المعاصرين ممن لا مراس لهم في فهم نصوص الفقهاء، وفهم مرادهم، فينطلق بالسفتجة وأحكامها، مستدلًا بها على جواز القرض الذي يجرُّ للمقرض منفعةً مشروطة، وعلى جواز أن تتحول بعض القروض من قروض إحسان وإرفاق إلى قروض منافع ومصالح، فيحرم الفائدة في الأولى دون الثانية. وبهذا تكون حجة جديدة لمن أراد أن يحرم الربا في عصرنا هذا، إذا كانت القروض ممنوحة لأغراض الاستهلاك الضروري، أو ممنوحة من الأغنياء القادرين إلى الفقراء المضطرين المعوزين، وأن يبيح الربا إذا كانت القروض ممنوحة لأغراض الاستهلاك الحاجي والترفي، أو ممنوحة من مقرضين إلى من هم أغنى منهم.
سنبين فيما يلي أن السفتجة أولًا لا تجر منفعة ربوية محرمة، ثم نبين فساد الاحتجاج بها لإحلال الربا.
أولًا: السفتجة لا تجر منفعة ربوية محرمة
(1) قارن بالمنتقى شرح الموطأ 5/ 150 - 151، وعنه نقل الزرقاني 3/ 345 - 346 ولم يشرح السيوطي شيئًا 2/ 173، وانظر كشف المغطى لابن عاشور، ص 284. وأوجز المسالك للكاندهلوي 11/ 401 - 405.