فجعله مضاربة (الفتاوى 30/ 87) . قال في الفتاوى 29/ 102:"طلب عمر جميع الربح، لأنه رأى ذلك كالغصْب، حيث أقرضهما ولم يقرض غيرهما من المسلمين، والمال (أي العام) مشترك، وأحد الشركاء إذا اتجر في المال المشترك بدون إذن الآخر، فهو كالغاصب في نصيب الشريك". اهـ وانظر الفتاوى 30/ 323 (باب الغصب) . على أن ما يُضعف قول ابن تيمية عندي إذا ما أخذت به هو أنني أميل إلى أن نماء الحرامِ حرامٌ، لا أن نصفه حرام فقط، وهذا أقطع للحرام وأحسمُ لدابره، والله أعلم (قارن بالفتاوى 30/ 139) .
ولعل أقربهم إلى الصواب البيهقي والترمذي. ذلك أن أبا موسى الأشعري إنما أراد، والله أعلم، أن ينقل المال العام (مال الفيء، فتاوى ابن تيمية 30/ 323) من البصرة إلى المدينة، فلم ير عندئذ أمامه أفضل من ولدي عمر بن الخطاب، لا لأنهما ولدا أمير المؤمنين كما خشي عمر الإمام الورع، بل لصفات ذاتية فيهما، ولاسيما الصدق والأمانة والثقة. وقد رأى أبو موسى الصحابي الجليل أن نقل المال العام أمانة قد يترتب عليه تضييع للمال العام، فما المانع أن ينقله قرضًا مضمونًا (فكان على سبيل القرض الذي إذا ربح فيه المقترض كان الربح له، وإذا خسر فعليه، لا على سبيل الابضاع، كما توهم البعض حيث يكون الربح كله لرب المال، والخسارة عليه، ولا على سبيل القراض حيث الربح مشترك والخسارة على رب المال) ، ولاسيما إذا رضي بذلك ابنا عمر. وقد رضيا بذلك على سبيل المنفعة للطرفين، فالمال العام يكون محفوظًا مضمونًا، وهما ينتفعان به إذا تحقق لهما ربح من التجارة به، بحيث يسددان القرض في المدينة المنورة. وفيه دليل على جواز الإقراض للتجارة، وإن كان الإقراض في الأصل للإرفاق، لكن قد تكون رغبة المقرض مجرد المحافظة على المال بتضمين المقترض، ولاسيما في بعض الأحوال، مثل أن لا يكون الموظف العام (أو مدير المؤسسة العامة) مأذونًا في المتاجرة بالمال العام. وعلى هذا فإن المعاملة عُقِدت قرضًا، فإذا خسرا ضمنا المال، وإذا ربحا كان الربحُ لهما.
ولعل عمر، مع ذلك، خطر له أن أبا موسى ربما فعل ذلك تقربًا إلى أمير المؤمنين ومحاباةً لولديه، فطلب المال وربحه كله، لا على أن الربح حق للدولة، بل ترغيبًا لولديه بفعل ذلك، ولكنهما لم يقبلا إلا بنصف الربح، وإن كان الربح كله حقًا لهما. وقد ذكر ابن تيمية (الفتاوى 30/ 323) أن الربح كان كبيرًا، إذ بلغ المال 800 ألف درهم بعد أن كان 200 ألف درهم.