أكُلُّ الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا. فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما. أدِّيا المال وربحه. فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين، هذا. لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه، فقال عمر: أدِّياه. فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا! فقال عمر: قد جعلته قِراضًا. فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحِه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربحِ المال [1] .
ويلاحظ هنا أن أبا موسى الأشعري تراضى مع ابني عمر على السفتجة، وأن عمر بن الخطاب نازع في الموضوع لشُبهتين خارجتين عن مسألة السفتجة، وهما أن المال مالٌ عام، وأن المقترض ابنا أمير المؤمنين.
ولا أعلم أحدًا سبقني إلى الاستدلال بهذا الأثر في باب السفتجة. وإني أقول هذا لكي يتأمل معي العلماء فيه، لا أن يسلموا به تسليمهم بالقديم، وإن كنت لا أرضى بهذا التسليم إلا عن اقتناع بالحجة والدليل.
والمعلوم أن الفقهاء كانوا يُوردون هذا الأثر في باب القراض (= المضاربة) . ولعلَّ السبب في عدم الالتفات إليه كثيرًا هو أنه أشكل فهمُه على كل من نظر فيه نظر تأمل.
قال الطحاوي في"اختلاف العلماء": يحتمل أن يكون عمر شاطرهُما فيه، كما شاطر عُماله أموالهم (ر: أوجز المسالك 11/ 405، ونَيل الأوطار 5/ 300) ولعل مآل هذا القولِ قريبٌ من قول ابن تيمية الذي سيأتي، وانظر فتاواه 30/ 327.
وقال البيهقي: تأول الترمذيُّ هذه القصة بأنه سألهما لبره الواجب عليهما أن يجعلاه كله للمسلمين، فلم يُجيباه (عبد الله بالسكوت، وعبيد الله بالكلام) . فلما طلب النصف أجاباه عن طيبِ أنفسهما. وبمثل ذلك قال الدهلوي في إزالة الخفاء عن المزني (انظر أوجز المسالك 11/ 404) .
وذهب ابن تيمية إلى أنهما اتجرا فيه بغير استحقاق (التجارة بمال الغير أو بالوديعة. انظر فتاوى ابن تيمية 30/ 130) "اتجر في مال يظنُّه لنفسه، فبان أنه لغيره"الفتاوى 30/ 129،
(1) نقلًا عن الموطأ، كتاب القراض. وانظر مختصر القراض للمزني في كتاب الأم للشافعي 3/ 60 الحاشية). والدار قطني 2/ 3150، وقال عنه الحافظ في التلخيص. إسناده صحيح. وانظر أيضًا جامع الأصول لابن الأثير 10/ 93، وشرح السنة للبغوي 8/ 259 - 260، ونيل الأوطار للشوكاني 5/ 300).