2 -وجاء في فتاوى ابن تيمية:
"سئل عما إذا أقرض رجلُ رجلًا دراهم، ليستوفيها منه في بلد آخر فهل يجوز ذلك أم لا؟"
فأجاب: إذا أقرضه دراهم ليستوفيها منه في بلد آخر، مثل أن يكون المقرضُ غرضه حمل الدراهم إلى بلد آخر، والمقترض له دراهم في ذلك البلد وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض، فيقترض منه، ويكتب له"سفتجة"أي ورقة إلى بلد المقترض، فهذا يصح في أحد قولي العلماء.
وقيل: نهي عنه، لأنه قرض جَرَّ منفعة، والقرض إذا جر منفعة كان ربا. والصحيح الجواز لأن المقرض (في الأصل: المقترض، وهو خطأ) رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد. وقد انتفع المقترض أيضًا بالوفاء في ذلك البلد، وأمن خطر الطريق، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عما يَنفعهم ويُصلحهم، وإنما ينهى عما يضَّرهم [1]
3 -ولابن القيم نص مشابه جدًا لما ورد في رسالة القياس لشيخه. قال:"وإن كان المقرض قد ينتفع أيضًا بالقرض، كما في مسألة السفتجة، ولهذا كرهها من كرهها، والصحيح أنها لا تُكره، لأن المنفعة لا تخصُّ المقرض، بل ينتفعان بها جميعًا" (إعلام الموقعين 1/ 391) .
وبدهيُّ أنه يعني بذلك القرض المشروط وفاؤه في بلد آخر إلى المقرض نفسه أو إلى غيره، فلو لم يكن مشروطًا لما كرهه أحد، لأنه يكون من باب حسن القضاء، إذا كان الوفاء في البلد الآخر لصالح المقرض، ومن باب الإرفاق، إذا كان الوفاء في البلد الآخر لصالح المقترض.
استدلال جديد على جواز السفتجة
ومن جملة ما يمكن أن يستدلَّ به على إباحة السفتجة، ما رواه مالك في الموطأ، والشافعي:
عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق. فلما قفلا مرَّا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرَّحب بهما وسهَّل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلتُ. ثم قال: بلى، هاهنا مالٌ من مال الله أريدُ أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعًا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربحُ لكما، فقالا: ودِدنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأُربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال:
(1) فتاوى ابن تيمية 29/ 530. وانظر 29/ 455، وانظر القياس له، ص 17. (ويبدو أن جامع الفتاوى قد أدخل فيها رسائل ابن تيمية، ومنها القياس إلا الكتب الكبيرة له) .