ولو كان الرمي قبل الزوال منهيًا عنه لبيَّنه النبي - صلى الله عليه وسلم - بيانًا شافيًا صريحًا حينما أجاب السائل الذي سأله عن رميه بعدما أمسى، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
الدليل الرابع: قوله -تعالى-:"واذكر الله في أيام معدودات"والرمي من الذكر كما صح عن عائشة عند الدارمي وغيره، فجعل اليوم كله محلًا للذكر ومنه الرمي.
الدليل الخامس: قول ابن عمر في رواية البخاري لمن سأله عن وقت الرمي، إذا رمى إمامك فارم، ولو كان المتعين عنده الرمي بعد الزوال لبيّنه للسائل.
القول الثالث: جواز الرمي قبل الزوال (يوم النفر الآخر) ، وهو قول عكرمة، وإسحاق، والمشهور عن أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، إلا أنه اشترط ألا ينفر إلا بعد الزوال، وفي رواية عن أبي حنيفة جواز الرمي قبل الزوال في النفر الأول إن كان قصده التعجل.
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) .
وجه الدلالة: أن الله رخص في التعجل في يومين، وجعل اليوم كله محلًا للتعجل، واليوم ظرف لما يصدق عليه اسم اليوم ولو ببعض الساعات الأولى من النهار، فمن تعجل ورمى قبل الزوال فقد دخل في رخصة الله -عز وجل-.
الدليل الثاني: ما رواه البيهقي في سننه الكبرى (5/152) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إذا انتفخ النهار من يوم النفر الآخر فقد حل الرمي والصدر والانتفاخ والارتفاع في إسناد هذا الأثر ضعف.
الدليل الثالث: أن له أن ينفر قبل اليوم الثالث ويترك الرمي فيه، فإذا جاز له ترك الرمي أصلًا، فلأن يجوز له الرمي قبل الزوال أولى.
وبذلك يعلم أن الرمي بعد الزوال في أيام التشريق هو السنة الموافق لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن القول بالرمي قبل الزوال وبخاصة في يوم النفر الأول قول له أدلته ووجاهته وقال به أئمة هدى، ومن عمل به فقد اتبع قولًا مدللًا واقتدى بسلف صالح.