فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 14

ولقد وفق لي شيخنا أبي الفضل بن ناصر (1) - رحمه الله - وكان يحملني الشيوخ فأسمعني المسند وغيره من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يراد مني، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت، فناولني ثبتها، ولازمته إلى أن توفى- رحمه الله-، فنلت به معرفة الحديث والنقل. ولقد كان الصبيان ينزلون إلى دجلة ويتفرجون على الجسر وأنا في زمن الصغر آخذ جزءا وأقعد حُجَزة من الناس إلى جانب الرَّقة فأتشاغل بالعلم.

ثم ألهمت الزهد فسردت الصوم وتشاغلت بالتقلل من الطعام وألزمت نفسي الصبر فاستمرت وشمرت ولازمت وعالجت السهر، ولم أقنع بفن من العلوم، بل كنت أسمع الفقه والوعظ والحديث، واتبع الزهاد، ثم قرأت اللغة ولم أترك أحدا ممن يروي ويعظ، ولا غريبا يقدم إلا وأحضره، وأتخير الفضائل، وكنت إذا عرض لي أمران أقدم في أغلب الأحوال حق الحق. فأحسن الله تدبيري وتربيتي وأجراني على ما هو الأصلح لي ودفع عني الأعداء والحساد ومن يكيدني ، هيأ لي أسباب العلم، وبعث إليَّ الكتب من حيث لا أحتسب. ورزقني الفهم وسرعة الحفظ والخط وجودة التصنيف. ولم يعوزني شيئا من الدنيا، بل ساق إليَّ من الرزق مقدار الكفاية وأزيد، ووضع لي القبول في قلوب الخلق فوق الحد، وأوقع كلامي في نفوسهم فلا يرتابون بصحته، وقد أسلم على يدي نحو مائتين من أهل الذمة ولقد تاب في مجالسي أكثر من مائة ألف، وقد قطعت أكثر من عشرين ألف سالف مما يتعاناه الجهال.

ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفسي من العدو لئلا أسبق، وكنت أصبح وليس لي مأكل، وأمسي وليس لي مأكل، ما أذلني الله لمخلوق قط. ولكنه ساق رزقي لصيانة عرضي. ولو شرحت أحوالي لطال الشرح وها أنا قد ترى ما آلت حالي اليه وأنا أجمعه في كلمة واحدة هي قوله تعالى ( واتقوا الله ويعلمكم الله )

(1) الإمام المحدث المحافظ، مفيد العراق أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عم السلامي البغدادي ولد سنة 647 هـ وتوفى سنة 551 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت