فهذا الحديث صريح في إثبات حجية السنة ، واستقلالها بتشريع بعض الأحكام ، وأن للنبي - صلى الله عليه وسلم - حق التحليل والتحريم كالقرآن تماما .
وقد أسهب الإمام ابن القيم في ذكر الأحكام التي استقلت السنة بإثباتها وقال: أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها لم تنقص عنها [1] .
وقال الشوكاني: اعلم أنه قد اتفق من يُعتدُّ به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام ، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام ... والحاصل أن ثبوت حجية السنة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية ، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظَّ له في دين الإسلام [2] .
ورغم وضوح هذه الأدلة وإجماع المسلمين على الاحتجاج بالسنة وجدنا من ينادي بإهمال السنة والاكتفاء بالقرآن .
وهذه وسيلة ماكرة لترك الإسلام كله لأن المسلمين لو تركوا السنة لضاع الإسلام ، ولذهبت شريعته وضل أتباعه .
قال أيوب السختياني: إذا حدثت الرجل بسنة فقال: دعنا من هذا وأنبئنا عن القرآن فاعلم أنه ضال [3] .
وما أكثر الضُّلال في هذا العصر الذين يتمسكون بالباطل ويهملون الحق فيفهمون القرآن بأهوائهم ويتركون الاسترشاد بأنوار السنة فيضلون ضلالًا بعيدا .
وقد تواترت أقوال الصحابة ومن بعدهم من علماء المسلمين على أن الأخذ بالسنة من أصول الإسلام وقواعده ، وعلى أن من أنكرها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه .
وأما دعواهم أن السنة لم تُكتب إلا في وقتٍ متأخر فهذه القضية تحتاج إلى توضيح: فإذا كان المراد بكتابة السنة تدوينها في مصنفاتٍ خاصة يتداولها طلبة العلم فهذا حق .
(1) - راجع: إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 2 / 287 - 290 .
(2) - إرشاد الفحول للشوكاني 1 / 156 - 158 .
(3) - الطبقات الكبرى لابن سعد 7 / 184 ، ومعرفة علوم الحديث للحاكم 1 / 65 .