ولقد تعهد الله بحفظ كتابه ، وحفظ الكتاب يستلزم حفظ السنة المبينة له ، فالسنة محفوظة بجملتها بحفظ الله تعالى لها فلا يُعقل أن يُحفظ المُبيَّن ويترك المُبَيِّن ، وإلا فلا معنى لحفظ المُبَيَّن حينئذ .
وليس معنى هذا أن الله حفظ السنة بحروفها وألفاظها كما حفظ القرآن ولكن حفظ أحكامها من الضياع ، ومعانيها من التحريف والتأويل ، والتشبيه والمسخ ، ومن الزيادة أو النقصان ، أو التغيير والتبديل .
وليس معنى الحفظ ألا تتعرض السنة لمحاولات التغيير والوضع وغيرها ولكن الحفظ معناه: أن يحدث ذلك كله ثم يحفظها الله تبارك وتعالى .
بل إن قيمة الحفظ لا تتجلى إلا مع هذه المحاولات التي تبوء بالفشل والخسران ، مثل قوله تعالى: { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } [1] فإن العصمة لا تظهر قيمتها إلا مع محاولات قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم تُرَدُّ على أعقابها مدحورة ، وحينئذٍ تظهر عصمة الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - .
والناظر في التاريخ العلمي للمسلمين يجد صدق ذلك ، فقد أيَّد الله الإسلام في كل عصر بعلماء جهابذه ، رزقهم حفظًا وعلمًا وفهمًا ، ويسَّر لهم وضع الضوابط والقواعد التي تكفل الحفظ للسنة من الزيادة والنقص ، فوضعوا علم الرجال ، وعلم مصطلح الحديث ، فوزنوا به المنقول ، فأثبتوا الصحيح الجيد وأبانوا زيف الفاسد الردئ .
فأصبحنا نستطيع من خلال تطبيق هذه القواعد: التمييز بين المقبول والمردود ، وأكثر المصائب تأتي من الجهل بهذه القواعد بحيث يلتبس المقبول بالمردود ، وينسب للإسلام ما ليس منه .
أما دعواهم أن الله وضع في القرآن كل ما يحتاج إليه المسلم فلم الحاجة إلى السنة ؟ .
فهذه كلمة حق يراد بها باطل لأن المقصود بقول الله تعالى:
(1) - المائدة: 67 .