فهرس الكتاب
الواقع يفيد أن الصحابة أطهر الناس قلوبًا ، وأزكاهم أفئدة ، آمنوا بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وهاجروا في سبيله ، وتركوا الأموال والأوطان ، واسترخصوا كل غالٍ ونفيسٍ في سبيله ، رمتهم الدنيا عن قوسٍ واحدة فما لانت لهم قناة ، ولا زلّت لهم قدم كانوا كالشُمّ الرواسي لا تزعزعه الأعاصير ، ولا تحركه الرياح مع قوةٍ في اليقين ، وصدقٍ في الإيمان .
قال الخطيب البغدادي: على أنه لو لم يرد من الله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فيهم شيئ لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنُصرة ، وبذل المهج والأموال ، وقتل الآباء والأولاد ، والمناصحة في الدين ، وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم ، والاعتقاد بنزاهتهم ، وأنهم أفضل من جميع المعدِّلين والمزكين الذين يجيئون بعدهم أبد الآبدين ، هذا مذهب كافة العلماء ، ومن يُعتدّ بقوله من الفقهاء [1] .
وبهذا ثبتت عدالة الصحابة بالأدلة القطعية النقلية والعقلية مما لا يدع للشك أو التردد مجالًا في ثبوت هذه الخصوصية الفاضلة لأحدٍ منهم رضي الله عنهم أجمعين .
وبعد ثبوت عدالة الصحابة بأدلة العقل والنقل: فقد حذَّر العلماء من القدح فيهم ، أو سب أحدهم ، أو الانتقاص من أقدارهم ، ووصفوا من صدر منه ذلك: بالمروق والزندقة .
قال أبو زرعة الرازي: إذا رأيت الرجل ينتقد أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حق ، وما جاء به حق ، وإنما أدَّى إلينا ذلك كله الصحابة ، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى ، وهم الزنادقة [2] .
(1) - الكفاية ص ( 49 ) .
(2) - الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 97 ، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني 1 / 11 .