الصفحة 27 من 132

وقد اتّهم العلماء من طعن في الصحابة بالطعن في الرسالة ، ولذلك حينما سُئل الإمام النسائي عن معاوية بن أبى سفيان قال: إنما الإسلام كدارٍ لها باب فباب الإسلام: الصحابة ، فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام ، كمن نقر الباب - أي نقبه - إنما يريد دخول الدار ، قال: فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحابة [1] .

ولما سأل الخليفة المهدي عبد الله بن مصعب فقال له: ما تقول فيمن ينتقص أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال له: زنادقة . فقال المهدي: ما سمعت أحدًا قال هذا قبلك ، فقال له عبد الله بن مصعب بحكمة العالم وذكاء الفقيه: هم قومٌ أرادوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنقصٍ فلم يجدوا أحدًا من الأمة يتابعهم على ذلك فتنقَّصوا هؤلاء عند أبناء هؤلاء ، وهؤلاء عند أبناء هؤلاء فكأنهم قالوا: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصحبه صحابة السوء ، وما أقبح بالرجل أن يصحبه صحابة السوء . فقال المهدي: ما أراه إلا كما قلت [2] .

وما ذكره هؤلاء استنباطًا وفهمًا لواقع حال المخالفين صرَّح به أحد زعماء الزنادقة .

قال أبو داود السجستاني: لمَّا جاء الرشيد بشاكر رأس الزنادقة ليضرب عنقه قال: أخبرني لم تعلِّمون المتعلم منكم أول ما تعلمونه الرفض - أي: الطعن في الصحابة - والقدر ؟ قال: أما قولنا بالرفض فإنَّا نريد الطعن على الناقلة فإذا بطلت الناقلة أوشك أن نُبطل المنقول ، وأما قولنا بالقدر فإنا نريد أن نجوِّز إخراج بعض أفعال العباد لإثبات قدر الله فإذا جاز أن يخرج البعض جاز أن يخرج الكل [3] .

فسبُّ الصحابة أو انتقاص بعضهم طريق الزنادقة لهدم الإسلام .

وللصحابي فضل صحبته وجزاء نيته وفي التأويل مندوحة .

(1) - تهذيب الكمال ( 10 / 174 ) .

(2) - تاريخ بغداد ( 1 / 339 ) .

(3) - تاريخ بغداد ( 4 / 308 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت