فهرس الكتاب
هذه كلمة حقٍ في أبي هريرة ، وهذا ما ذهب إليه أئمة الهدى ، وأعلام الدين ، وكبار فقهاء الإسلام ومفكريه ، وبيدهم الحجة ، وبألسنتهم المنطق ، ومعهم التاريخ الصحيح ، ووسيلتهم البحث العلمي الهادئ الرصين .
وجنى أعداء السنة الخيبة والخسارة ، وانكشفت للأمة مآثر أبي هريرة فظهر فضله ، وعلت مكانته ، وازداد المسلمون حبًا له وتمسكًا برواياته .
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت ... ** ... أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ** ... ما كان يعرف طيب عرف العود
وأكثر الشبه التي تثار حول أبي هريرة هي التي تثار حول كثرة روايته للحديث ، وقد أبدى بعض الصحابة ومن بعدهم عجبهم من قوة حفظ أبي هريرة وكثرة روايته للحديث مع تأخر إسلامه عن كثيرٍ من الصحابة فأبدى لهم أبو هريرة سبب ذلك فازدادوا قناعةً بعلمه وحفظه .
وأقبلوا عليه يتتلمذون على يديه ويروون الحديث عنه حتى بلغ عدد من أخذ العلم عنه أكثر من ثمانمائة كما قال الإمام البخاري رحمه الله .
ثم جاء بعض المستشرقين ، ومن سار في ركابهم ، ونسج على منوالهم يحاولون التشكيك في كثرة أحاديثه ، وسعة مروياته ، ولو أنصف هؤلاء وهم الذين يدّعون العلم والتقدم ، وعلى ضوء معرفة علم النفس والاجتماع لما وجدوا في ذلك غرابةً ولا بُعدًا ، فلكل أمةٍ ميزة تمتاز بها على غيرها ، والميزة التي تفرد بها العرب هي: قوة الحفظ مع سرعته ، وفي الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم إلى عصرنا هذا من كان آيةً عجبًا في سرعة الحفظ وقوة الذاكرة ، ويكفي أن تعلم: أن أحمد بن حنبل كان يحفظ ستمائة ألف حديث ، وأن البخاري كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث بأسانيدها ، وأن أبا زرعة الرازي كان يحفظ سبعمائة ألف حديث ، والإمام الشافعي كان لا يقع بصره على شيء إلا حفظه ، وكذا الإمام الشعبي القائل: ما كتبت سوداء في بيضاء قط ، وما سمعت شيئًا ونسيته قط .