الصفحة 46 من 132

وللأسف الشديد ونظرًا لجهل جمهور عريض من الدعاة بقواعد علوم الحديث ، وتقاعس كثير من الحكام عن القيام بواجبهم في هذا الأمر فقد انتشرت الأحاديث الموضوعة على الألسنة كانتشار النار في الهشيم ، حتى كاد الخرق يتسع على الراقع ، حتى إنك غدوت لا تكاد تسمع خطبة من داعية ، أو درسا من خطيب تخلو من الحديث الموضوع وشديد الضعف الذي لا يُحتجُّ بمثله يستشهدون بها ويستدلون بها ، وقد ترتب على هذا أن اتُّهم الإسلام بما هو برئ منه ، وأُلصق به ما هو مخالف لقواعده وأصوله من التناقض ، ومخالفة المعقول ، ومناقضة حقائق التاريخ مع أن علماء الحديث نصوا كما قال ابن الجوزي: ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول ، أو يخالف المنقول ، أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع [1] .

وفي شيوع هذه الأحاديث وانتشارها ضرر جسيم ، وخطر عظيم بجوانب كثيرة من الإسلام ، وأكثر الشبه الواردة على السنة مبنية على الحديث الموضوع ، أو الفهم السقيم للحديث الصحيح .

وقد قام علماء الإسلام بجهودٍ ضخمة للوقوف أمام موجة الوضع في الحديث ، وطاردوها حتى كشفوها وميزوها ، فوضعوا قواعد لقبول الحديث ، وأسسوا علم الحديث بفروعه المختلفة ، فاشترطوا الإسناد لمعرفة الرواة وعدالتهم ، وميزوا بين من تقبل روايته ومن ترد ، وقسموا الحديث وما يزوا بين درجاته ومراتبه ، ووضعوا قواعد وأمارات يُعرف بها الحديث الموضوع ، وصنفوا كثيرًا من الكتب التي تبين الموضوع وتحذر منه ، حتى أصبح من الثابت يقينًا أن التاريخ لم يسجل لأمة من الأمم جهودًا في حفظ تراث نبيها كما سجل لهذه الأمة الخاتمة .

ووجود بعض الأحاديث الموضوعة لا يكون سببًا في إهمال جميع الأحاديث ، بل الواجب كشفها ، وردها ، وبيان وضعها ، ولذلك وحتى نستطيع القضاء على هذه المشكلة يجب أن نفعل الآتي:

(1) - تدريب الراوي 1 / 277 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت